ذنـ,ـوب الماضى
ابتسم ليقول وهو يُمسك مثلثًا من الشطيرة استعدادًا لقطمة:
-بالهنا والشفا يا حبيبتي
أمسكت بالمياة الغازية ترتشف منها وبعد قليل كانت تجاورهُ الجلوس داخل السيارة وهي بقمة سعادتها، فحقًا معه كل شيء مميز ومختلف،وصلا لمكان منزليهما لتتبدل ملامحها حين وجدت ذاك الحانق ينتظرها والسخط يكسو ملامحه، توقف يوسف امام منزلها ليترجل وهي ايضًا بنفس التوقيت، تحدث بهدوء لذاك الواقف يرمقهما بحدة:
-إزي حضرتك يا دكتور
نطق مرغمًا وبحدة:
-الله يسلمك
ثم وجه حديثهُ لابنته:
-فين عربيتك
تحدثت بهدوء لاعتيادها على ذاك الأمر منذ أن أهدت “إيثار” تلك السيارة إلى”يوسف” بعيد ميلاده التاسع عشر:
-الـ bodyguard أخدها من الكلية وأنا خرجت مع چو إتغدينا
رمقها بحدة ليسألها بطريقة جديدة عليها ومختلفة كليًا عما هي معتادة عليه:
-إستأذنتي مني قبل ما تخرجي معاه؟
شعر بتلبكها فأراد التدخل كي يرفع عنها كهل المواجهة:
-إحنا استأذنا من عمتي
-مين عمتك؟!..قالها وهو يرمقهُ بنظراتٍ حادة كالصقر،ليجيبه الاخر وهو يبتلع لعابه:
-عمتي فريال
أولاً فريال مش عمتك،ولاعمرها هتكون…قالها بجبروت ليُكمل بقسوة وحروفٍ ذات مغزى:
-إنتَ كبرت وكل الحقايق إنكشفت قدامك،والمفروض تتعامل على ده الأساس
قالها بحقدٍ ملمحًا ما علم به الشاب مؤخرًا عن عائلته مما جعل الحزن يقتحم قلبه وما شطرهُ لنصفين ما نطق به متابعًا:
-المفروض كمان إنك تستأذن مني أنا لما تحب تخرج مع بنتي، ولا علشان اللي ربتك واحدة ست فانطباعك إن كل البيوت بتديرها ستات؟!
وبرغم كلماته القاتلة والمقصودة ليبتعد عن ابنته إلا أنهُ تماسك و وقف بقوة شامخًا قبل أن ينطق بحزمٍ:
-أنا اللي رباني سيادة المستشار علام زين الدين وسيادة المستشار فؤاد زين الدين،والإتنين علموني الأصول كويس قوي وعمري ما اتخطاها،وطول عمري وأنا بخرج انا وبيسان لوحدنا،وبستأذن من فريال هانم
واسترسل بذات مغزى:
-طالما كلمة عمتي بتزعل حضرتك
وتابع مسترسلاً:
-وعمرك ما اعترضت على ده، بالعكس، حضرتك كنت واخد الموضوع عادي جداً
وتسائل تحت دموع بيسان التي سالت لأجله:
-إيه اللي اتغير علشان كلامك ده؟!
بقوة وصرامة اجابهُ:
-حاجات كتير قوي اتغيرت، وبلاش أقولها علشان مجرحكش
وتابع أمرًا بحدة:
-ومن النهاردة ممنوع منعًا باتًا إنك تخرج مع بنتي او تقعد معاها لوحدكم، حتى لو كان في جنينة قصر الباشا.
اتسعت عينيه وتمزق قلبه ألمًا من شدة ما شعر به من إهانة توجهت له على يد والد الفتاة التي يعشقها، مازاد من إيلام روحهُ هو وجودها أمامهُ لترى عجزه أمام والدها الحقير، لم يعطه حق الرد والدفاع عن نفسه ليجذب نجلته من رسغها ويجرها خلفه بطريقة همجية صدمتها كونها المرة الاولى التي يعاملها بها والدها بتلك الطريقة الغير متحضرة بالمرة، ليتركا الأخر يتلقى خيبةً جديدة تُضاف لخيباته التي تتوالى واحدة وراء الأخرى.
عودة للحاضر
تنفست بألمٍ ينخر بأعماق قلبها ويكاد يفتكُ به، تحركت للداخل كي تغتسل وتبدل ثيابها، بعد عدة دقائق كانت تنزل الدرج لتنضم إلى طاولة الفطار التي تضم والديها وشقيقها، سألها والدها باهتمام:
-عيونك منفخة ليه كده؟
اشاحت بوجهها عنه لتنطق بهدوء:
-مش نايمة كويس
ليه؟!…كلمة حادة وجهها لها لتجيبهُ بتوترٍ:
-كنت بذاكر
لم ينطلي عليه حديثها ولهذا تحدث بصرامة:
-زي ما اتفقنا،مفيش دخول لقصر الباشا النهار دة،إقعدي ذاكري أحسن
نطق الفتى باستغراب:
-بس ده چو جاي النهاردة يا بابي
فؤاد…قالها حازمًا ليصمت الفتى مستغربًا حالة والده التي تحولت كليًا وكأنهُ تبدل لأخر،تلك المرة تحدثت فريال وهي تقول بنبرة مبطنة بالتحذير:
-ولو جدها سأل عليها يا دكتور ، هترد عليه تقول له إيه؟!
طالعها بجبينٍ مُقطب ليتحدث بقوة:
-دي مشكلتي يا فريال وهعرف أحلها، إهدي إنتِ بس كده وريحي أعصابك المشدودة دي
تنفست لتكظم غيظها منه وتستدعي الصبر على تصرفات ذاك المتحول،وقف الفتاة لتنطق وهي تتحرك للتأهب للصعود إلى غرفتها من جديد بعدما شعرت وكأن حجرًا ضخمًا يجثو فوق صدرها:
-بعد إذنكم
-رايحة فين؟!
إلتفتت ليتابع والدها بأمر:
-إقعدي كملي فطارك
بكسرة قلب تحدثت بنبرة خرجت مختنقة لتوقف الدموع بمقلتيها:
-مليش يا نفس، ومن فضلك يا بابي سيبني براحتي وبلاش تخنق في روحي أكتر من كده
نطقت جملتها الاخيرة لتسرع مهرولة للدرج ودموعها تسيل فوق وجنتيها من شدة شعورها بالظلم التي تتعرض إليه على أيادي جميع احبتها.