ذنـ,ـوب الماضى

-إنتوا بتعملوا إيه؟!
إنتفضت لتبتعد سريعًا ليتحدث إليها متعجبًا:
-فيه إيه يا إيثار؟!
ابتلعت لعابها خجلاً ليتابع بحدة:
-محسساني إنه قفشنا في وضع مُخل، إنتِ لابسه كامل هدومك وحجابك يا بابا
ثم تطلع على ذاك الذي يربع ذراعيه ليتابع بحدة وغضب طفولي:
-چو قرب ييجي وإنتوا لسه منزلتوش،دي زوزة عملت له الچيلي اللي بيحبه چو وأنا كمان
تعمد رسم ملامح الجمود لينطق بحزمٍ وحدة:
-أنا كام مرة نبهتك وقولت لك مينفعش تدخل على أي حد أوضته من غير ما تخبط وتسمع بنفسك رده عليك؟!
ببراءة أجابهُ وهو يشيح بكفيها بطريقة تمثيلية:
-بس إنتَ بابي وهي مامي، يعني مش حد، مامي قالت لي إني أقرب حد لروحها، يعني أنا روحها
أغمض عينيه يعتصرهما بقوة داعيًا الله أن يلهمهُ الصبر على تصرفات ذاك الصغير الغير محتملة ثم فتحهما لينطق لتلك التي تقف كالفأر المبتل وتحدث بجدية:
-شوفي لك حل مع إبنك يا إيثار،تعمليه الأصول والأدب من جديد، أو توديه لمتخصص تعديل سلوك،المهم سلوكه يتظبط لأن الوضع بقى غير محتمل
إهدى يا حبيبي وأنا هتصرف معاه…قالتها لتنظر إلى الصغير بحدة:
-إنزل تحت وإحنا جايين، وصدقني لتتعاقب على شقاوتك دي يا “مالك”
مط شفتيه ليهرول للخارج تحت تذمره لتنطق وهي تتحرك باتجاه الحمام:
-هجهز لك الحمام بسرعة.

༺༻༺༻٭༺༻༺༻
بتوقيت العاشرةِ صباحًا لمحافظة كفر الشيخ، بإحدى قراها وتحديدًا داخل منزل”غانم الجوهري”، بذاته نفس موقع المنزل لكنه أصبح يختلف كليًا عما كان يسبقهُ بالماضي، فقد تحول إلى منزلٍ فخم يشبه منازل الأثرياء بالبلدة، فقد هدموه وأعادوا تشييدهُ من جديد ثم إبتاعوا أثاثًا عصريًا ليواكب العصر، كل هذا النعيم ظهر عليهم بعدما تخلوا عن قطعة من الارض التي تركها لهم والدهم مقابل مبلغًا مرتفع من المال،وذلك بعدما ارتفع سعر متر الارض لعشرة أضعاف بفضل ذاك الطريق السريع التي انشأته الدولة ليفتح مغارة علي بابا بوجه هولاء وغيرهم من أهالي البلدة الذين يملكون أرضًا على حافة الطريق،بداخل غرفة واسعة تمتلؤ بأثاثٍ حديث بألوانٍ مبهرجة،كانت تجلس العائلة بأكملها بصحبة “أيهم”وزوجته”أميرة”ونجليهما، تزوجت جميع بنات عزيز وأيضًا إبنة وجدي

جاور أيهم والدته الجلوس فوق تلك الأريكة المريحة،ليقبل كفها قائلاً بحفاوة:
-وحشتيني يا حبيبتي
-لو وحشاك كنت جيت شوفتني لوحدك، مش تستنى لحد ما أتصل أنا بيك وأقول لك تعالى… قالتها بملامح مكفهرة لتتابع ساخطة:
-ولا أختك اللي ليها شهرين مشفتش وشها
تحدثت أميرة بدفاعٍ عن شقيقة زوجها الحنون:
-“إيثار “غصب عنها يا ماما، من يوم ما يوسف سابها وراح سكن برة مع اخته وهي حالها يحزن، عيونها دبلت من كتر العياط علشانه
هزت رأسها قبل أن تقول بحدة:
-عيل قليل الأصل زي ابوه وجده، مطمرش فيه ربايتها وجريها وشقاها عليه
ليكمل عزيز المتكأ على الأريكة حديثها:
-ده عيل معندوش عقل، حد يسيب العز اللي كان عايش فيه ده كله، ويروح يأجر شقه ويسكن فيها مع اخته
لترد عليه تلك الشمطاء:
-وكل ده علشان خاطر بنت خطافة الرجالة” سُمية” الله يجحمها مطرح ما راحت، ساب أمه علشان بنت السِت اللي خربت بيتها وشردتها هي وهو
اما وجدي الجالس بجوار أيهم فنطق متأذيًا من حديث والدته القاسي:
-خلاص يا أم عزيز، بلاها السيرة دي الله يبارك لك، إذكروا محاسن مـ,ـوتاكم

هتفت تلك السيدة الثلاثينية”رقية” التي ولچت للتو من الباب لتمدد تلك السفرة الارضية«الطبلية المستطيلة»بشكلها الذي يُشبه السُفرة لكنها قصيرة، فقد تزوجها عزيز بعد وفاة تلك الـ”نسرين”بعامين كي يجلب إمرأة لتحمل مسؤولية اولاده وتلبي له احتياجاته كرجل:
-وهي دي كان ليها محاسن يا سي وجدي، دي كانت مخبية بلاوي وربك فضحها قدام البلد كلها

مخلصنا بقى يا أم “عامر”… قالها وجدي مناديًا إياها باسم نجلها الأول، نتاج زيجةً فاشلة حيث طُلقت بعد عامًا فقط من زواجها ليتزوجها عزيز بعدما تركت نجلها برعاية والدتها، وقد رزقت من عزيز بفتاة أطلق عليها إسم”إيثار”كاعتذارًا منه لشقيقته عما بدر منه بحقها بالماضي
تابع حديثه:
-همي وهاتي الفطار إنتِ ونوارة علشان نلحق نروح نشوف العمال عملوا إيه في الكافيتريا
النهاردة الجُمعة والشباب كلها أجازة من الشُغل وبييجوا الكافيتريا يطلبوا فراخ وكفتة وكباب
ضحك عزيز ليقول بدعابة:
-بيبروا على نفسهم بعد اسبوع شغل
ربنا يوسع رزقكم يا ولاد منيرة ويزيدكم من خيره… كلمات نطقتها منيرة وهي ترفع كفيها للاعلى في مناجاتها مع الله لتؤكد على حديثها تلك الـ”نوارة”صاحبة الوجه البشوش وهي تحمل بين يديها الطعام:
-يارب يا مرات عمي
ثم نظرت إلى أيهم ونطقت بسعادة:
-أما أنا بقى عاملة لك شوية فطير مشلتت يا أيهم، هتاكل صوابعك وراهم إنتَ وأميرة
تسلم ايدك يا نوارة، بس إبقى إعملي حساب” إيثار”

-ودي حاجة تفوتني بردوا يا أيهم…قالتها لتكمل منيرة على حديثه:
-عاملين حسابها في المشلتت والبط والعسل النحل
قبل يدها مرةً أخرى ليقول:
-ربنا يخليكي لينا يا ست الكُل

نطق وجدي ممتنًا لشقيقته:
-ده أقل واجب ليها يا أيهم،ده كفاية إنها رفضت تاخد ورثها مع إن كان هيطلع لها مبلغ محترم من الأرض
أكد على حديثهُ عزيز ووالدتها وقفت “أميرة” لتقول وهي تتحرك بجانب نوارة:
-تسلم إيدك يا نوارة، أنا جاية معاكِ أساعدكم.

༺༻༺༻٭༺༻༺༻
بمنزل الحاج محمد شقيق “إجلال”
كانت تجلس بجوار شقيقها وأنجاله وزوجته تلك الـ”أزهار”
اقترب حفيده البالغ من العمر العاشرة،وتحدث إلى جده:
-جدي،عاوز مية وخمسين جنية أكل بيهم مع أصحابي في كافتيريا “الجوهري”
دبت والدته على صدرها لتقول بذهول:
-مية وخمسين جنية حتة واحدة، ليه يا واد، هتاكل خروف لوحدك؟

تطلع الفتى إلى والدته لينطق ساخرًا من حديثها:
-خروف إيه يا ماما اللي بمية وخمسين جنية،إنتِ قديمة قوي، ده يادوب هاكل بيهم ربع فرخة مشوية وصباعين كفتة وشوية رز على شوية سلطة ورغيفين

هتفت “إجلال”بحقدٍ دفين:
-والله عال يا ولاد الجوهري،الجعانين اللي كانوا بيقضوا عشاهم نوم بقوا اصحاب محلات، ولاهفين فلوس البلد كلها في عبهم، دي القوالب نامت والإنصاص قامت يا ولاد

أطلقت أزهار ضحكة شامتة لتنطق بذات مغزى:
-زمن غدار وملوش أمان يا أم طلعت،لا بيخلي العالي على حاله، ولا الواطي واطي
وأدينا شفنا بعنينا، أكم من الناس اللي كانت فاكرة نفسها فوق الكُل وبيتجبروا
لتكمل قاصدة إياها وأنجالها:
-ربك ذلهم وبقى مفيش أوطى منهم

احتدت ملامحها وامتلئت عينيها بشرارات الحقد لتسألها كأسدٍ جائع قبل أن ينقض على فريسته:
-تقصدي إيه يا” أنهار” بكلامك ده
مقصدش ، بس اللي على راسه بطحة…قالتها لتتأهب الاخرى بالرد لتتفاجأ بشقيقها محتدًا بكلماته:
-ما تخرسي يا ولية منك ليها صدعتونا
إلتزمت كلاً منهما الصمت وباتت تتطلعان على بعضيهما بنظراتٍ فتاكة ليهتف الصبي إلى جده:
-متجيب الفلوس يا جدي علشان أمشي مع اصحابي
ادخل كفه داخل جيب جلبابه ليخرج له النقود فصاحت “إجلال”بحدة:
-إنتَ هتدي له الفلوس دي كلها علشان يروح ينفع ولاد منيرة يا حاج” محمد”؟!

هتف بحدة وكبرياء وهو يناول الفتى المال:
-عاوزاني أسيب حفيد الحاج “محمد ناصف ” يبص لاصحابه رعاع البلد ويتحصر علشان حقدك على ولاد منيرة واللي عملته فيكم اختهم زمان يا “إجلال”؟!
إحتدم داخلها وشعرت بنارًا تسري بوريدها لكنها تحلت بما تبقى لديها من صبرٍ لحين أن تأتي اللحظة الحاسمة، فتبسمت وشعرت ببعضًا من الراحة التي لا يعلم مصدرها سواها وفقط.

إنتهى الجزء الاول من الفصل الثالث
إنتظروا الجزء الثاني غدًا بإذن الله ♥

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *