ذنـ,ـوب الماضى
ذاب قلبها وبدأت فراشات الحب تداعب أسفل معدتها،ارتجف جسدها عندما استمعت لكلمة “هبقى جوزك ” لتشهق وتسحب يدها سريعًا وتنطلق للخارج تحت ابتسامته الحنون وراحة قلبه باعترافه الصريح والاول بعشقها.
فاق من ذكرياته ليتنهد بقلبٍ يئنُ ألمًا على تلك الرقيقة التي أضاعها من يده بفضل ماضي عائلته اللعين،توقف بسيارته أمام جامعة”زينة” وهاتفها لتخرج له بعد قليل تحت نظرات ثلاثة شباب كانوا يترقبونها ليهتف أحدهم “مازن” وهو يراها تستقل تلك السيارة الفارهة:
-طب ما هي بتخرج مع شباب وحلوة ومقضياها أهي،أمال عاملة لنا فيها خضرة الشريفة ليه!
نطق الاخر ويدعي زياد:
-لما يبقى معاك بي إم دبليو زي الباشا هتبقى ترافقك وقتها
ضحك ساخرًا وتحدث:
-بقى هي الحكاية كده،ماشي يا زينة،أنا كنت سايبك بمزاجي وبقول مؤدبة
واسترسل بتوعدٍ:
-بس طالما طلعتي كده، يبقى إنتِ اللي جبتيه لنفسك يا مزة.
بعد قليل
كانت تقابلهُ الطاولة داخل أحد المحال المتخصص بتقديم المأكولات البحرية، يتناولان طعامهما، ليتحدث بهدوء:
-“زينة”، جدي علام عازمني بعظ بكرة انا وإنتِ على الغدى عندهم
إرتبكت وأخذ جسدها بالإنتفاض، ويرجع هذا لفقدانها للثقة بالنفس وعدم الشعور بالراحة وسط التجمعات البشرية والإزدحام، نطقت بصوتٍ مختنق:
-بلاش أنا اروح يا يوسف، وديني عند عمي حسين وروح إنتَ
-بس جدي عاوز يتعرف عليكِ، وبعدين إنتِ أختي، ومكانك لازم يبقى جنبي دايمًا
احتضن كفها باحتواء ليقول بنظراتٍ مطمئنة:
-أنا مش عاوزك تقلقي من أي حاجة طول ما أنا معاكِ، مفهوم يا حبيبتي؟
تنفست ثم هزت رأسها بهدوء، ابتسم ليشير لطبقها قائلاً:
-يلا ناكل السمك قبل ما يبرد
تبسمت وشرعت من جديد لتناول الطعام.
༺༻༺༻٭༺༻༺༻
عصرًا بقصر علام زين الدين
يجلس فوق مقعدًا بالحديقة بعدما تناول وجبة الغداء بصحبة العائلة، لحقت بهِ تلك المدللة الصغيرة وجلست على طرف مقعده لتحتضنه قائلةً بدلالٍ يستسيغهُ ذاك الحنون:
-هو أنا قولت بحبك النهاردة يا بابي ولا نسيت؟
ابتسم فؤاد ليقول بمراوغة لمدللة قلبه:
-محصلش.
شددت من احتضانه لتقترب وتلثم وجنته وهي تقول:
-بحبك يا بابي.
-روح قلبي إنتِ يا تاج راسي… قالها فؤاد بصوتٍ حنون جعل الفتاة تطير كفراشة من شدة سعادتها، إقترب عليهما زين ومالك الذي هرول مسرعًا ليقفز فوق ساقاي فؤاد واحاطهُ بكفيه الصغيرتين ليقول بحدة وهو ينظر بغيرة لشقيقته ويزيحها بكفه:
-إبعدي، الكرسي هينكسر بينا
قهقه فؤاد عاليًا وهو يرى غيرة صغيره المشاغب لتهتف الاخرة بحدة كالأطفال:
-إنتَ إزاي سخيف قوي كده يا “مالك”
-علشان طالع لك… قالها بمناكفة لينطق “زين”الذي جاور والده الجلوس بمقعدٍ خاص:
-تعالي إقعدي جنبي يا” تاج”
زفرت وهي تتنحى جانبًا لتترك المجال لذاك المشاكس الذي دفن وجههُ بصدر غالي قلبه،بدورهُ إحتضنهُ فؤاد وقام بتقبيل وجنتيه الناعمتين وبات يزيدهما من قبلاتهِ المتلهفة،فذاك الصغير استطاع سرقة لب كل من حوله وبالأخص والده،رفع رأسهُ يتطلع على نجله العاقل ليسألهُ بجدية:
-زين باشا عامل إيه في مذاكرتك؟
أجابهُ بجدية كعادته،فهو جادًا بحياته،يمتلك شخصية كأبيه،يفكر بعملية ومتفوق بدراسته،:
-كويس جدًا يا بابي
ابتسم لهُ بفخرٍ لتنطق “تاج”بتفخيمٍ لقيمة شقيقها:
-” زين”يا بابي أجمد حد عندنا في الـ class.
-وأخت زين نظامها إيه هي كمان…سؤالاً وجهته إليها إيثار التي أقبلت وهي تحمل قدحين من القهوة لها ولحبيب العمر،أجابت الفتاة بخيلاء يعود لدلالها المفرط التي تلقته على أيادي الجميع:
-انا بيرفيكت في كل حاجة يا مامي
لتطالع والدها الحنون وتقول بفخرٍ واعتزاز:
-أنا بنت فؤاد باشا علام، وطالعة له
تناول قهوته لينطق بعينين شاكرتين:
-تسلم ايدك يا بابا
-بالهنا والشفا يا باشا… نطقتها بحنانٍ شملته به وقد وصلهُ ليبتسم بعينين مغرومتين، جلست بجوار نجلها العاقل لتقول وهي تتحسس شعر رأسهُ:
-محدش طالع لفؤاد باشا غير إبني العاقل “زين”
هزت رأسها اعتراضًا ليصيح ذاك المشاكس حيث انتفض من حـ,ـضن أبيه حتى أنهُ كاد أن يسكب عليه القهوة:
-وانا مش طالع لبابي يا ست مامي؟!
هتفت وهي تُشير بكفها ليتوقف:
-بالراحة يا ولد، هتدلق القهوة على بابي
ربع ساعديه ثم مط شفتيه كاعتراضٍ على تلك المعاملة،بينما تحدث فؤاد بملاطفة:
-هو ده اللي اخدتي بالك منه يا إيثار،الولد بيقول لك يا سِت مامي
واستطرد وهو يميل برأسهِ للصغير:
-ولد،ممنوع تقعد مع عزة لوحدكم تاني،مفهوم؟
-ومالها عزة بقى يا سيادة المستشار،…جملة متهكمة نطقت بها تلك التي اقتربت عليهم لتتابع وهي تضع أكواب المشروب للأطفال:
-الحق عليا اللي عملالكم عصير فريش يطري على قلبكم
صفق الصغير بحفاوة وهو يكرر حديثها بلا وعيٍ:
-وانا عاوز أطري يا عزة
إنصدم فؤاد ليشير لصغيره وهو يقول مؤنبًا للتي ارادت أن تنشق الارض وتبتلعها:
-إتفضلي يا عزة هانم، طري على قلب الولد، وقبلها بيقول لمامته يا سِت مامي
واسترسل ساخرًا بنظراتٍ حادة:
-ده شوية كمان وهيقولها يا خالتي أم “يوسف”
إنطلقت قهقهات “زين” و”تاج” و”مالك” على سخرية والدهم ليحتد هو بالحديث قائلاً:
-أنا مبهزرش
إلتزم الجميع الصمت ليتابع هو محذرًا:
-عزة، إنتقي ألفاظك شوية مع الولد، “مالك” بيروح مدرسة وبيختلط مع زمايله، ده غير إنه بيخرج معانا في عزومات مختلطة، ومينفعش يبقى ده إسلوب إبن “فؤاد علام”
هزت رأسها وهي تقول بجدية:
-حاضر، أوعدك هحاول على قد ما أقدر
ثم تحدثت سريعًا وهي تنظر باتجاه “إيثار”في محاولة منها لجذب انتباهه لمنطقة أخرى من الحوار:
-إلا بالحق، نسيت أقول لك
سألتها مستفسرة:
-خير يا عزة؟
نطقت بسعادة ظهرت على وجهها:
-الباشا الكبير بلغني أنا والست الدَكتورة والست فريال، إن يوسف وزينة هييجوا بعد بكرة يقضوا معانا يوم الجمعة كله.
هلل الصغار وتحدثت تاج بسعادة ظهرت بعينيها:
-اخيرًا يوسف هيرجع البيت تاني
عقبت على حديثها بنفيٍ:
-أنا جبت سيرة رجوع القصر؟!
نطق فؤاد متعجبًا:
-غريبة قوي، ما احنا كنا لسه بنتغدى مع الباشا جوه، ليه ما بلغناش؟!
اجابته:
-أصل الباشا لما قال لنا مكنش جنابك لسة جيت من النيابة، ولا حتى إيثار كانت رجعت من شغلها
رأى حبور حبيبته الشديد ليسعد داخلهُ لسعادتها وأيضًا لبدء هدوء بحر يوسف العاصف.
همست تاج بأذن شقيقها بتذمرٍ:
-هو چو هيجيب أخته معاه ليه؟
أجابها ذاك الذي يسبق تفكيرهُ سنوات عمرة”زين”:
-إنتِ بنفسك لسه مجاوبة على سؤالك،هي أخته،وطبيعي تيجي معاه لما يبجي يزور عيلته
-بس إحنا مش عيلتها يا”زين”!…قالتها باعتراض لتتابع بملامح وجه مكفهرة:
-وأنا مش بحبها،المرتين اللي شفتها فيهم لما زورت چو حسيتها خنيقة قوي،وبعدين مش كفاية إنها بعدت أخونا عننا؟
-” يوسف” عمل الصح يا “تاج”، قبل ما تحكمي على حد حطي نفسك مكانه، هل لو كنتي مكانها، كنتي هتبقي مرتاحة لو أنا اتخليت عنك؟!
طالعتهُ بتمعنٍ بحديثه لتهز رأسها بيأسٍ وهدوء.
༺༻༺༻٭༺༻༺༻
-بابا عازم”يوسف” وأخته يوم الجمعة وعاوزنا كلنا نتجمع هناك… قالتها “فريال” التي تجلس ببهو منزلهما بصحبة “ماجد” يرتشفان مشربًا باردًا
توقف عن ارتشافه المشروب وزفر بقوة لينطق مزمجرًا:
-مش كنا خلصنا من الموضوع ده،أنا مش فاهم بباكِ ليه مُصر يقحم الولد ده في حياتنا من تاني، أنا مصدقت إنه خرج من البيت وبعد عن بنتي؟
اتسعت عينيها تعجبًا لشدة حنقهِ ثم قالت مستنكرة:
-بباكِ؟!
شملها بنظراتٍ ثاقبة قبل أن يهتف متهكمًا:
-هو ده اللي لفت نظرك من الموضوع كله يا فريال؟!
أخذت نفسًا عميقًا كي تهديء من روعها ثم سألتهُ بحيرة:
-أنا حقيقي مبقتش قادرة أفهم سبب كُرهك ورفضك المفاجيء للولد يا ماجد
واسترسلت متعجبة من تغييره المفاجيء:
-مع إنك كنت بتحبه جدًا وهو صغير، وكنت بتعامله كويس قوي!
تحولت ملامحهُ لحادة ليجيبها بسخطٍ أظهر كم الغضب الساكن بقلبه:
-ده لما كان بعيد عن بنتي
تنهدت قبل أن تقول بتأثرٍ:
-بس بنتك بتحبه وتعبانة قوي من يوم ما بعد يا ماجد.
احتدت ملامحهُ وامتلاءت بشرارات الغضب قبل أن يصيح معترضًا:
-حب إيه وكلام فارغ إيه اللي بتتكلمي عنه يا “فريال”،ده أنتِ ناقص تقولي لي نوافق إنه يتجوزها؟
-وإيه المشكلة؟!… قالتها متعجبة ليصيح بعينين بالغضب مشتعلتين:
-إنتِ شكلك إتجننتي ومش مستوعبة الكلام اللي بتقوليه.
نطقت بأسى من طريقته الحادة:
-مكنتش متخيلة إنك طبقي بالطريقة دي
حملق بها غير مصدقا ماتفوهت به من حديثٍ لا يروق له ولا يتقبله عقله ليصيح معترضًا:
– طبقي مين يا بنت سيادة المستشار، متفوقي بقى من الغيبوبة اللي إنتِ عايشة فيها دي
ليتابع بإسلوبٍ لائم:
-بقى عاوزة تجوزي بنتك الوحيدة لواحد ابوه مجرم هربان وعيلته كلها ما بين مقتول ومسجون؟!
واسترسل مستهجنًا طريقتها الفقيرة بالتفكير:
-ده بدل ما تفكري إزاي تخليها تتواجد باستمرار وتظهر في وسط الطبقة المخملية، يمكن يشوفها إبن مستشار ولا رجل أعمال كبير من معارف بباكي ويطلبها للجواز
أطرقت برأسها فى حزنٍ من نعته لها ليزفر هو بقوة متسائلاً باستهجان:
-ممكن أعرف إيه الغلط اللي أنا قولته يخليكي تزعلي وتقلبي وشك بالشكل ده؟
-اللي مزعلني منك يا ماجد إنك بقيت بتتعامل مع البنت على إنها صفقة ولازم تلاقي رجل أعمال علشان يقيمها… قالتها متأثرة لتسألهُ بعتابٍ:
-فين مشاعر بنتك من تفكيرك الرأس مالي والطبقي ده يا دكتور؟!
هز رأسهُ مستنكرًا ضألة تفكيرها العقيم لينطق:
-أنا بجد مش مصدق، مشاعر إيه اللي بتتكلمي عنها،إنتِ متخيلة إن بنتي لو إتجوزت البني أدم ده هتبقى بتحكم على مستقبل ولادها منه بالإعدام،وزي ما حلمه إتقتـ,ـل من ورا أبوه وعيلته المجرمين،هيبقى هو كمان السبب ورا ضياع أحلام ولاده اللي هيلعنوه ويلعنوا بنتك علشان أساءت إختيار أب ليهم كويس ومن عيلة تشرف.
تنهدت بحيرة،لا تنكر أن حديثهُ بذاك الأمر مقنع، وله الاحقية بالتفكير بشأن مستقبل ابنته، هي لا تلومهُ على ذاك، كل اعتراضها على معاملته التي تحولت لسيئة منذ أن علم بمشاعر ابنته المتبادلة معه، وبأنها أخذت مسارًا جديًا من الطرفين
قطع حديثهما نزول “بيسان”من الطابق الأعلى لتقبل قائلة بصوتٍ خافت يكسو عليه الحزن المعتاد مؤخرًا:
-هاي
سألها عن شقيقها قائلاً: