ذنـ,ـوب الماضى

-فين فؤاد؟
-بيذاكر في أوضته
تنهد ليتحدث بنبرة جادة صارمة:
-بعد بكرة مش عاوزك تروحي عند جدك نهائي،رجلك متخطيش القصر يا بوسي،مفهوم؟

قال كلمته الأخيرة محذرًا لتسألهُ باستغراب:
-ليه يا بابي،وليه بعد بكرة بالتحديد؟!
طالعته فريال بعتابٍ تنتظر إجابته على تلك العاشقة ليجيبها بحدة:
-مش لازم كل حاجة تسألي فيها،أنا بباكِ والمفروض إني أكتر واحد حريص على مصلحتك.

أجابتهُ بالمنطق والصراحة التي طالما ربياها عليها:
-وهو علشان حضرتك ببايا ده يشفع لك إنك تفرض عليا إسلوب السمع والطاعة ، من غير ما أفهم ولا أعرف إيه اللي بيدور حواليا؟!

يعلم أنها لم تلتزم الصمت ولن تتبع إرشاداتهِ إلا إذا أدركت المغزى من وراء ذاك القرار، فأراد أن يُنهى ذاك الجدال قبل أن يتخذ مسارًا أخر:
-جدك علام عزم البيه إبن إيثار، وهيفرضه يوم الجمعة علينا هو وأخته اللي منعرفلهاش أصل من فصل علشان يقضوا اليوم في وسطنا،والمطلوب إننا ننفذ الأمر من غير أي إعتراض.

أعلن قلبها عن دق طبول الحرب عليها لينتفض بقوة و يعلن عجزه أمام ذاك العشق الهائل، ظهر توترها الممتزج بالسعادة الهائلة لرؤية وجه من عاقبها بالإبتعاد عن ذنبٍ لم تقترفهُ يداها، تملكت من رجفة جسدها لتجيب والدها بمراوغة خرجت بصوتٍ مهزوز رُغمًا عنها:
-ولما هو أمر من جدو، حضرتك عاوزني أخالفه ليه؟

-إنتِ عارفة السبب كويس قوي يا بيسان، وياريت تبطلي إسلوب العِند اللي إنتِ فيه ده، وإحمدي ربنا إني سامحتك ورجعت أتكلم معاكِ تاني بعد ما كسرتيني وضيعتي حلمي في إنك تكوني وكيلة نيابة، علشان ترضي الولد اللي إسمه “يوسف”

تلك المرة فريال هي من تكلمت بعدما هبت من جلستها لتحتد عليه قائلة عندما لمحت دموع ابنتها تتلألأُ بمقلتيها كحباتٍ من اللؤلؤ:
-فيه إيه يا ماجد، هو إحنا مش هنخلص من الكلام في الحكاية السخيفة دي؟!
عدى سنتين وأكتر على الموضوع، ومع ذلك مُصر بمناسبة وغير مناسبة إنك تتكلم فيه

لانه مستقبل بنتي اللي ضاع يا هانم… نطقها بحدة ليتابع ساخرًا من أفعالها الساذجة على حسب تفكيره:
-لكن إنتِ هيهمك في إيه مستقبل بنتك، خليكِ قاعدة في قصر الباشا تربي ولاد إيثار هانم اللي استحوذت على شركة العيلة وبلعتها في عبها هي وأخوها، بعد ما أبوكِ والباشا العاشق سلم لها الإدارة بالكامل
-ماجد… قالتها بحزمٍ لتسترسل بحدة وصرامة وعنجهية:
-خلي بالك كويس وإنتِ بتتكلم عن سيادة المستشار علام زين الدين، وإبنه سيادة المستشار فؤاد زين الدين

تألمت “بيسان” وانهمرت الدموع فوق وجنتيها وهي ترى مشادات والديها بكثرة في الأونة الأخيرة بفضلها،بينما ابتسم “ماجد”بزاوية ليلوي فمه في تهكمٍ واضح قبل أن ينطق ساخرًا:
-هايل، بقيتي بتعلي صوتك عليا وتعدلي على كلامي، ياريت تبقي تعملي كده مع الهانم مرات أخوكِ اللي حولتك لـ  baby sitter”بيبي سيتر ”

إشمئزت من حديثهِ وتقليله المتعمد من شأنها أمام ابنتها، بينما استدار هو ليوجه حديثهُ الصارم لابنته:
-وإنتِ، لو لمحتك في بيت جدك اليوم ده، متلوميش إلا نفسك

نطق كلماته ثم مال على الطاولة ليختطف عُليقة مفاتيحه وينطلق للخارج تاركًا المنزل بأكمله، شهقت الفتاة بكامل صوتها ليخرج صوت بكائها الحاد معلنًا عن ألام ذاك القلب العاشق،تحركت صوبها لتحتضنها بقوة، ثم مسحت على ظهرها بحنانٍ ليخرج صوتها متأثرًا وهي تهدهدها:
-متعيطيش يا حبيبتي، إهدي يا بوسي
خرجت من بين أحضانها لتقول بعينين حائرتين:
-هو أنا وحشة قوي كده علشان ربنا ميحبنيش يا مامي؟!

شهقة عالية خرجت من فم” فريال”صاحبتها إتساعٌ بعينيها المذهولتين لتنطق باستغراب:
-ليه بتقولي كده يا حبيبتي، إنتِ جميلة وربنا بيحبك جدًا

هزت رأسها باعتراضٍ قبل أن تنطق بدموع عينيها:
-أمال ليه بيحصل لي كل ده، أخسر حبيبي اللي عمري ما اتمنيت غيره، ويهجرني ويمشي من غير حتى ما يودعني، وبابي ومعاملته ليا اللي إتحولت 180 درجة، لا وبيتهمني إني ضيعت حلمه

وإلى هُنا لم يعد بمقدورها الصمود والكتمان أكثر، فقد إنفجرت لتصرخ بانهيارٍ وهي تُشير على حالها:
-أنا اللي أحلامي كلها إنهارت قدام عنيا وأنا لسه مبدأتش حياتي، أنا اللي حلم حبيبي ضاع منه وحلمي حصله
بنظراتٍ مشتتة، وبتيهةٍ وشرود استرسلت:
-كل اللي قعدنا نحلم بيه ونرتب له في لحظة إتهد وانهارت معاه كل طموحاتنا وأحلامنا، وبدل ما بابي يحضني ويحاول يحسسني بالأمان، إتقلب عليا وبقى يعاملني وكأني عدوه اللدود
وتابعت باعتراضٍ ودموع:
-وكل ده ليه، علشان اتمسكت بحقي في إختيار طريقي اللي هكمله، هو أنا مش من حقي أختار الكلية اللي هدرس فيها يا مامي؟!
أخذت نفسًا مطولاً لتقترب على ابنتها ثم حاوطت وجنتيها بحنانٍ في محاولة لاحتواء حزنها:
-متزعليش من بابي يا بوسي، هو بيحبك قوي وكان نفسه تطلعي وكيل نيابة ويفتخر بيكِ.

هتفت بحدة:
-وأنا للسبب ده دخلت إقتصاد وعلوم سياسية،علشان أحقق له حلمه في إني يشوفني سفيرة ويفتخر بيا،لكن هو المفروض كان احترم قراري

-بابا عارف كويس إنك رفضتي تدخلي الحقوق علشان يوسف،وده اللي زود غضبه من ناحيته
إحتدت ملامحها لتهتف بنبرة غاضبة:
-ويوسف ذنبه إيه علشان يحمله مسؤولية اللي حصل،هو حاول معايا كتير برغم كسرة قلبه وقتها
واسترسلت بإيضاح:
-أنا اللي أصريت على قراري واخدته عن إقتناع، والمفروض إن بابي كان احترم رغبتي.

صمتت لعدم وجود ردٍ مقنع لديها، فتابعت الفتاة بعدما احتوت كفيها متوسلة:
-مامي، أرجوكِ تحاولي تقنعيه يسيبني أحضر اليوم ده

واسترسلت بدموعٍ نزلت على قلب فريال أحرقته:
– يوسف وحشني قوي ونفسي أشوفه
هزت رأسها وهي تقول لطمئنتها:
-متقلقيش يا حبيبتي، أنا هكلمه لما يرجع

ابتسمت الفتاة من بين دموعها لتتابع الأم عاتبة:
-بس أنا ليا عندك رجاء، عوزاكِ متظهريش ضعفك وحبك ليوسف، لازم تغيري من طريقة معاملتك معاه
ضيقت بين حاجبيها لتسألها:
-إزاي يا مامي؟
أحاطت وجنتيها تتلمسهما بحنوٍ ثم تحدثت من خلال خبرتها المكتسبة من الحياة :
-الراجل طول ما هو شايف البنت بتجري وراه ومستنياه بيسوق فيها ويستعبط، لكن لو مرة واحدة لقاكي طنشتيه ومكملة حياتك، بيتجنن ويرجع يحوم حواليكِ من جديد علشان يعرف السبب.
-بس چو مش كده يا مامي… قالتها بعينين مغرمتين لتجيبها الاخرى:
-وحياتك عندي كلهم كده
استمعوا لصوت “فؤاد ماجد”الذي نزل من الأعلى ليسأل ببرودٍ:
-فيه إيه، صوتكم كان عالي مع بابي ليه من شوية؟

تطلعت إليه بيسان باستغراب لتقول متهكمة:
-وسيادتك لسه فاكر تنزل وتسأل!
أجابها وهو يتمطأ:
-هو أنا فاضي لكم يا بنتي، أنا مفحوت في نظام الثانوية الجديد ده كمان
تطلعت عليه والدته وهي تقول:
-متشغلش بالك بأي حاجة غير مستقبلك يا” فؤاد”، لازم تذاكر كويس قوي السنة دي، علشان السنة الجاية تراكمية وهي اللي هتحدد مصيرك
نطقت “بيسان” ساخرة:
-مش محتاج لكل ده يا مامي، كل اللي محتاجه مجموع كلية الحقوق علشان يعوض حلم بابي اللي بنته الفاشلة ضيعتهُ له

-طب يلا يا فاشلة لاعبيني دور بلاي ستيشن «PlayStation» علشان أفحتك فيه.
ابتسمت لتتحرك بجوار شقيقها تحت احتدام قلب “فريال” من طريقة زوجها الجديدة بالحديث معها.
༺༻༺༻٭༺༻༺༻
كان يجلس بصحبة والدته “نوال” داخل الشرفة، نطقت بعدما قص عليها كل ما دار، فبالفترة الاخيرة أصبح متعلقًا بوالدته بشكلٍ كبير وبات يحكي لها كل ما يدور بحياته سواءًا داخل بيته أو قصر علام، نطقت بنبرة خبيثة:
-عاوز نصيحتي يا دكتور
-قولي يا ماما…قالها بوجهٍ مكفهر لتتابع هي بتفكيرٍ شيطاني:
-جوز بنتك للولد إبن إيثار

حملق بها غير مستوعبًا ماتفوهت به من حديثٍ عبثي ليهتف بحدة:
-إنتِ بتقولي إيه يا ماما،بقى عوزاني أجوز بنتي الوحيدة لابن راجل هربان؟!
وضعت كفها تحتوي خاصته قبل ان تقول بدهاء:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *