ملتقي القلوب

في صباح يوم جديد استيقظت تقى بوهن شديد، وضعت يدها على بطنها تلقائيًا وكأنها تلقي عليه تحية الصباح، لتقول بأسى وكأنه راشد تشكو له ما يفعله أبيه بها :- إزيك يا حبيبي عامل إيه يا حبيب مامي ؟ شوفت بابي الوحش بيعمل في مامي إيه، خايفة يجي يوم ما ألاقيش حب ليه ورصيده يخلص من عندي .

فتحت الهاتف لتتصفح الصفحة الخاصة به، لتجد إشارة له من قبل تلك الشمطاء اللعينة التي هي سبب أساسي لما تشعر به، وجدت صورة تجمعهما سويا لتلقي الهاتف بغضب وتبع ذلك جسدها الذي ألقته على الفراش وهي تخفي وجهها بالوسادة كي لا يصل صوت بكائها لمن بالخارج .
رجعت بذاكرتها لذلك اليوم الذي كان بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير، وقطرة المياه الزائدة التي أعلنت عن أن الإناء امتلأ لآخره وما عاد من مساحة متوافرة لتحمل المزيد من الأوجاع، إذ عادت من الطبيبة التي فحصتها لتكتشف أنها تحمل جنينا في بطنها وليس عند هذا الحد فقط بل هي حامل في ثلاثة أشهر، أصابتها الدهشة لذلك فهي لم تشعر بأي من أعراض الحمل طوال هذه الفترة، غمرتها الغبطة وكادت أن تطير كالفراشة من السعادة، توجهت للمشفى الخاص التي يعمل فيها سفيان لتخبره بهذا الخبر السار، وصلت في غضون دقائق ودلفت للداخل متوجهة لمكتبه الخاص لتفتح الباب على حين غرة لتصدم حينما رأت هذه الطبيبة قبالته وقريبة منه، قطبت جبينها باستياء لترد عليهم التحية باقتضاب، ردوها عليها لتسرع الطبيبة والتي تحمل اسم سالي قائلة بابتسامة متكلفة :- أهلًا يا مدام تقى المكتب نور .

رفعت حاجبها بتهكم ولم ترد عليها وإنما توجهت لسفيان تحتضنه من خصره، والغيرة قد اشتعلت بداخلها فهي تحبه وتغار عليه ولا تطيق أن تقترب أي أنثى منه، احتضنها هو بحب ليقول بدون قصد :- إيه الزيارة الغريبة دي ؟

ابتعدت عنه فجأة لتقول بضيق :- غريبة ليه بقى ؟

أردف بهدوء وهو يحاول أن يمتص غضبها الغير مبرر :- عادي يا تقى مجرد سؤال .

حدقت سالي فيها بغل ومكر فخطواتها منه باتت معدودة وتنتظر أقرب فرصة، فتقى تفتقد الثقة بنفسها وهذا ما تلعب عليه لتقول برقة مبالغ فيها :- أكيد زعلانة علشان الدكتور سفيان هيسافر بكرة معايا أقصد معانا كلنا يعني .

رفعت حاجبها باستهجان وهي تنظر له لتردد الأخرى وهي ترسم البراءة بإتقان عندما شهقت بصدمة مصطنعة:- سوري لو لخبطت الدنيا، كنت فاكرة إنك قولتلها بعد إذنكم .

رمت كلماتها ومن ثم غادرت وهي تبتسم كالأفعى التي حققت أول انتصار، بينما هتف هو باختصار :- يلا هنروح دلوقتي.

صمتت وغادرت معه حتى وصلا لمنزلهم وأبدلا ثيابهما، وها هما يجلسان على طاولة الطعام يتناولون وجبة العشاء، لم تستطع أن تتحلى بالصمت إذ هتفت بغضب :- تقدر تقولي ليه مقولتش إنك مسافر، يعني أعرف من الصفرا دي وجوزي لا .

زفر بضيق وهو يقول :- وطي صوتك يا تقى .

بانفعال تملكها جعلها تضرب بيديها على الطاولة وهي تقول :- لا مش هوطي صوتي، لما تعمل اعتبار لغيري وأنا زي الهبلة معرفش حاجة يبقى تسميه إيه دة يا دكتور ؟

نهض من مكانه وقد سطر الكمد حروفه بعينيه، جذبها من ذراعها بعنف وهو يضغط على يدها بقوة ومن ثم هتف بصوت جهوري جعلها تنكمش في نفسها :- صوتك ما يعلاش يا هانم ولما أقول كلمة تتسمع، عاملة مشكلة من مفيش ليه ؟ بقيتي خنيقة أوي الأيام دي . بقلم زكية محمد

اغرورقت عيناها بالدموع وهي تقول بألم:- سيب أيدي يا سفيان .

أردف بحدة وهو مازال على حالته وهو مستمر في أن يلقي سهامه الجارحة صوب صدرها الذي سالت منه دماء فعلته :- في إيه لكل دة ؟ دكتورة وطبيعي هتروح معانا البعثة فين المشكلة في كدة ؟

أردفت بوجع وغيرة :- متروحش معاها خليك هنا .
ضحك بتهكم ليقول :- مروحش ! أنتِ بتهزري فرصة زي دي مستنيها بقالي كتير ولما تيجي تقوليلي ما أروحش ! دة مستقبلي يا ريت تفهمي دة وشيلي التفاهة دي من دماغك ويلا زي الشاطرة كدة أفردي وشك دة وروحي حضريلي الشنطة .

وعندما لم يجد منها رد ردد بصرامة :- يلا هتقعدي واقفة كتير .

ركضت من أمامه للداخل وهي تشعر بأن قلبها تهشم تحت قدميها، وضعت يدها على بطنها وسقطت دموعها الغزيرة، لم يعبأ برجائها وقد ضرب بطلبها عرض الحائط وها هو سيترك لغريمتها الفرصة للفوز عليها، فتحت الخزانة وبدأت في ترتيب ملابسه في الحقيبة وبعد أن انتهت من ذلك توجهت لترتيب الطاولة وتنظيف بقايا الطعام، تشكلت المرارة في حلقها فقد تبخر ما رسمته في ذهنها نحو كيفية إخباره بأنها تحمل طفلهما بداخلها، لقد تم سرق فرحتها وانتهت بهذا الفصل المأساوي .

وفي الصباح كان يستعد للرحيل وكانت ستودعه ولكنها وقفت متصنمة عندما سمعته يتحدث مع هذه الشمطاء في الهاتف، لا وليس عند هذا الحد فقط بل تسمع ضحكاته تملأ المكان، دلفت الغرفة وعلامات الغضب على وجهها، لتتغير ملامح وجهه للتجهم فيغلق المكالمة، وهتفت هي بكمد مكبوت :- كنت بتكلم مين ؟

حمحم بخشونة قبل أن يجيب بكذب :- دة دة عاصم بستعجله علشان يوصلني للمطار .

حدقت فيه بقوة وهي تراه يكذب عليها وجهًا لوجه، بينما ارتبك هو بداخله واضطر أن يعطيها ظهره وهو يقول :- أنا همشي دلوقتي عاوزة حاجة ؟

أردفت بثبات تحسد عليه :- لا مش عاوزة .

ولدهشته وجدها مكانها لا تتحرك قيد أنملة، لم تحتضنه وتغمره بحبها المعتاد منها ولا حتى ترجوه بأن يبقى وأن لا يذهب، نظر لها وقام بتقبيلها أعلى جبينها فجعدت وجهها بضيق، واحتضنها لبرهة لينهي هذا اللقاء بقوله :- خلي بالك من نفسك.

*******************************
البارت خلص ها رأيكم إيه.💙

الفصل الثاني
ملتقى القلوب
بقلم زكية محمد
غادر ولم يأبه لذلك الشرخ الذي أحدثه في قلبها، لم تستطع البقاء في المكان وحدها ولأول مرة تشعر بأنها تود الذهاب بعيدًا عن أي شيء يذكرها به، غادرت الشقة هي الأخرى في نفس اليوم ومنذ ذلك الحين لم تعود وها هي على قرابة الشهر وفي بيت أبيها، وعندما يسألها أحد تخبره بأنها ستبقى حتى يعود سفيان من الخارج، ليتركوها على راحتها حتى يعود هو وقد طلت عليهم كذبتها، ومنذ ذلك الحين وهي لا ترد على هاتفها عندما يتصل بها، ليجن جنون الآخر ويصيبه الخوف عليها وعندما يعلم بأنها عند أهلها، لا يعلم لم ذهبت ولكن هناك أمرًا تخفيه، لم يشأ أن يوسع الموضوع حتى لا يشك أحد من أن هناك مشكلة مفتعلة وإضطراب في علاقتهما، لذا أجل هذه المواجهة حتى العودة . مضى شهر وظل شهران متبقيان وسيرى ما يدور خلفه بنفسه .

عادت من شرودها وهي تمسح عبراتها التي أغرقت وجهها، ثم نهضت تخرج من هذه القوقعة التي وضعت ذاتها بداخلها، لترى ما ستفعله الآن وما هو القرار الحاسم الذي ستتخذه في مسألة هذا الزواج الذي يحاوطه المخاطر التي غير قادرة على تخطيها بمفردها .

*******************

عدلت من الوسادة المهترئة قبل أن تساعد والدها على التمدد عليها بعد أن أعطته جرعة دوائه وهي ترى أنه على قرابة الانتهاء، كبحت عبراتها بداخلها كي لا يراها أبيها فيكفي ما هم فيه، لا تريد أن تحمله هما جديدًا هتفت بابتسامة اصطنعتها بجدارة وإتقان :- ها يا بابا طمني عليك أنت كويس دلوقتي، صح ؟
هز رأسه بخفوت وأجابها بكذب كي لا يخيفها :- كويس يا بنتي الحمد لله متخافيش يلا روحي شوفي وراكي إيه .

أردفت بأسى:- وقفت الواد صالح في الدكانة قولت أقعد معاك شوية .

سألها بضعف :- وايه الأخبار ؟

قطمت شفتيها بقهر فماذا ستقول له ؟ فالدكانة البسيطة التي تعولهم على وشك الإغلاق فلا أحد يبتاع منهم، كما أن التجار لهم نقود ويودون الحصول عليها، لم تخبره بهذه الكوارث واحتفظت بها لنفسها .
قاطع سحابة أفكارها طرق الباب فذهبت لترى من الطارق، وعندما فتحته وجدت جارتهم بالطابق الأعلى ” نهلة ” . كادت أن ترسم ملامح الاشمئزاز ولكنها أنقذت نفسها على آخر لحظة، لتفوق على صوت نهلة التي تمضغ العلكة :- جرا إيه يا سبيل مش هتقوليلي اتفضلي .

تحدثت من تحت ضروسها :- أهلا يا نهلة أتفضلي يا اختي .

دلفتا سويا وجلستا على إحدى الارائك المتهالكة، لتنظر نهلة للمكان وهي تقول بغيظ :- مش لو كنت سمعتي كلامي كان زمانك دلوقتي في حتة غير بدل المرمطة اللي أنتِ عايشة فيها دي .

نفخت بضيق لتقول :- مية مرة يا نهلة وأنا بقولك شليني من دماغك لأني عمري ما هعمل اللي في دماغك .

أردفت بإلحاح:- يا عبيطة افهمي أنا عاوزة مصلحتك، يعني عاجبك حالك دة وأبوكي اللي أنتِ مش عارفة تجبيله حق العلاج .

أردفت بخوف خشية أن يسمعها والدها :- وطي صوتك أبويا صاحي ومش عاوزاه يسمع كفاية عليه تعبه مش عاوزة أحمله هم كفاية اللي هو فيه .

هتفت بخفوت وهي تتفحصها بتقييم :- يا بت أنتِ مش عارفة قيمة نفسك، دة أنتِ توقعي أتخن تخين وما يخدش في إيدك غلوة ودة كله هيبان لما تقلعي هدوم العواجيز دي وتلبسي هدوم من سنك .

جعدت جبينها قائلة باعتراض :- أنا عاجبة نفسي كدة ما أشتكيتش لحد .

مطت شفتيها بحنق قائلة:- بشوقك، بس بردو مستنية منك الإشارة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *