ملتقي القلوب

أردفت ببساطة :- تلاقيه فوق على السطح في المرسم بتاعه بيرسم.

لوهلة نست قلقها لتقول بحماس وهي تصفق بيديها بشغف، في ردة فعل أدهشت الأخرى:- الله مرسم ! بجد عنده مرسم ؟

أومأت بنعم وهي تقول بتعجب من هذه الحالة التي تلبستها :- أيوة عنده واحد فوق بيرسم فيه ودة كان بتاعي على فكرة .

نهضت قائلة بفرح :- طيب هطلع أشوفه هناك بعد إذنك .

قالت كلماتها بسرعة وغادرت مسرعة إلى حيث وجهتها، وصلت للطابق الاخير ووجدت هذه الغرفة التي علمت بوجودها لتوها من أم زوجها، دلفت بحرص وأشعلت الضوء بسرعة ليظهر لها العديد من اللوحات والرسومات الرائعة والألوان المرصوصة بعناية ولوحات أخرى فارغة، اتسع فمها بانبهار وقد ظهر حلما آخرا قد أخفته في أعماق قلبها قد اندثر، عندما علمت من صعوبة تحقيقه وهي أن تكون رسامة عالمية يأتي الناس من شتى بقاع الدنيا لرؤية لوحاتها الثمينة، تساقطت دموعها بفرح هذه المرة وبلهفة طفلة أخذت تخلط بعض الألوان ببعضها ناوية أن ترسم، فهي كانت هوايتها المفضلة ولا زالت عندما كانت في المدرسة الإعدادية.

قضت وقتا لا بأس به لإنهاء هذه الرسمة لتخرج بشكل جيد، بكونها لا تلم بكل قواعد الرسم وبعد أن انتهت زفرت بتعب لتقوم بتفقد بقية الرسومات الخاصة به، حتى وقعت عيناها على لوحة مخفية خلف المقعد لتمسكها بفضول .

ما إن سقطت عيناها عليها وقفت مصدومة بوجه باهت وهي ترى رسمة لآسيا وكلمات تحتها تدل على مدى حبه لها لتكون القشة التي قسمت ظهر البعير، وبمثابة الضربة القاضية التي حطمت فؤادها إلى قطع صغيرة متناثرة قامت بحفر جروح غائرة في سائر جسدها .

بدأ عقلها يعمل والآن فهمت كل شيء، شروده وقلة حديثه والذي كانت دومًا ما تضع له الأعذار وتكذب نفسها، مهلا مهلا هل جعل الجميع منها أضحوكة ولعبة يتناقلونها بين أيديهم ؟

إن لم يكن بحبها إذا لماذا تقدم للزواج منها ؟ ما كان غرضه من الأساس فهل أجبره أبيه على ذلك ؟

ظلت هذه الأسئلة تدور في ذهنها، جلست بقلب مفطور مدمي يتراقص على أنغام الوجع يمشي على زجاج فنزفت جوانبه بكثرة، ظلت تبكي كما لم تبكي من قبل، تنعي نفسها قبل كل شيء يا لها من مغفلة وغبية عن جدارة كيف صور لها عقلها الصغير أنه يحبها ؟ يا لها من بلهاء بالفعل لقد خدعها الجميع وجعلوها كبش الفداء لكي يشفى ابنهم الحبيب من حبه الأول أما هي فلا بأس بها، يا لها من مذلة وما بعدها مذلة .

أخذت تضحك بشكل هستيري تناغمًا مع تساقط دموعها الغزيرة، لا تعلم أتبكي على ماذا أم ماذا ؟ تركت المكان ومنه إلى الأسفل حيث منزل هذا الحبيب الذي قطع قلبها إلى أشلاء، دلفت بوجه شاحب شحوب الموتى وهي لا تدري إلى أين تذهب في هذا الوقت المتأخر ولمن ستذهب فهي أصبحت وحيدة بالمعنى الحرفي الآن، فمن ظنت أنهم سيعوضوها عن موت أبيها لتكتشف أنهم استغلوها أسوأ استغلال، نظرت للبيت بنفور ورغبة ملحة بالمغادرة فهي تختنق الآن كلما تواجدت في محيطه، بعد أن كانت تتوق لرؤيته .

وبالفعل خرجت وتوجهت لوجهتها التي تعلم جيداً مسارها، وبعد وقت قصير وصلت لمنزل أبيها وفتحت الباب وغلقته خلفها بإحكام، شعرت بالدفء عندما تسللت رائحة منزلهم العبقة والتي ذكرتها بوالدها على الفور، أبيها الذي تمنت أن يكون أمامها لتلقي بنفسها على صدره وتشكو له ما يحزنها، توجهت لغرفة أبيها مباشرة وتكومت على الفراش تستنشق رائحة أبيها العالقة بالوسادة، لتغلق عينيها في محاولة منها لتهرب من هذا الواقع المر .

**********************

لم يعد طه للمنزل بسبب عمله، فهو ذهب لحضور اجتماع عقدته الكلية لأعضاء هيئة التدريس بشكل عاجل ولم يخبر أحد بذلك، ولسوء حظه هاتفه نفذ شحن بطاريته فقرر أن يبلغهم ريثما يصل عندهم في الصباح بذلك وإنه سافر بشكل مفاجئ .
في الصباح عاد من رحلته تلك إلى مسقط رأسه ودلف للشقة الخاصة به، ودلف بهدوء وهو ينظر هنا وهناك فتعجب من هذا الهدوء التام بالمكان، جلس بانهاك وتعب على الأريكة، ثم نظر أمامه بشرود يفكر في حياته تلك وإلى متى سيظل هكذا حبيس ذكريات لن يأخذ منها غير الوجع، نهر نفسه بقوة أن ما يفعله هو أكبر خطأ عليه أن ينظر لحياته ويدع كل شيء خلفه، تذكر سبيل ذات الأعين الخضراء التي لم يرى مثلها من قبل، بها سحر خاص يجذبك عنوة حتى تخضع له، تعجب لنفسه منذ متى وهو يفكر فيها هذه الأنثى بعقل طفل .

لقد ضيع وقته خلف سراب فلو ظل طيلة عمره على حاله لن يحصل على شيء سوى التعاسة والشقاء، هز رأسه بتأكيد فحديث والده على حق يجب أن يرمي هذا الماضي خلف ظهره وأن يتطلع لمستقبله، قرر أن يغير معاملته لها فقد تأكد في هذه الفترة أنها فتاة على خلق عال فلم تكذب أمه حينما اختارتها له، سيزيل جدار التحفظ الذي بناه بينهما وسيتعامل معها بشكل عادي فإن لم يحبها الآن فقد أعتاد على وجودها، وبالتأكيد سيأتي يومًا سيدخل حبها إلى قلبه وسيستولي على جميع أعماق فؤاده .

نهض من مكانه يبحث عنها وهو يخرج من غرفة ويدلف لأخرى حتى انتهى من عملية البحث، واسفرت عن عدم وجودها في المنزل بأكمله، قطب جبينه بتعجب إلى أين ذهبت في هذه الساعة الباكرة ؟

بالتأكيد عن والدته هذا ما قاله في قرارة نفسه، لذا لم يأخذ وقتا ونزل للأسفل ليراها، طرق الباب لتفتحه والدته وهي تبتسم له بحنو، رد عليها تحية الصباح ودلف يجلس معها وهو ينظر للمكان قائلا:- أومال فين بابا يا أمي ؟ بقلم زكية محمد

أجابته بهدوء :- نزل الشغل .

وعندما كان سيسألها عن سبيل سبقته هي بقولها الذي صدمه:- كنت فين امبارح مراتك جات وسألت عنك ؟ كانت قلقانة عليك أوي .

ردد بحذر :- يعني سبيل مش هنا ؟

هزت رأسها بنعم قائلة :- لا مش هنا دي طلعت علطول بعد ما قولتلها إن عندك مرسم .

هز رأسه بهدوء في بادئ الأمر لتتسع عينيه بذهول عندما انتبه لنقطة ما، ليصعد للأعلى بعد أن استأذن من أمه.
وصل للأعلى بسرعة فائقة ودلف للغرفة الخاصة به، وأخذ يمشط بعينيه المكان سريعاً لتقع عيناه على لوحة مرسومة لتوها، وعلى الرغم من عدم احترافيتها إلا إنها نجحت في أن تخرج في القالب المطلوب، توقف لبرهة في حضرة هذه اللوحة والتي تحتوي على رسمة تعبر عنه هو، ملامحه مرسومة بعناية فائقة وهنا تساءل بغرابة هل هي تجيد الرسم بهذا الشكل، وإن كان الأمر كذلك أين تعلمته ؟

خرج من تأمله ذلك ونظر مكان اللوحة ليغلق عينيه بعنف مصحوب بالألم، فها قد حدث ما توقعه لقد رأت هذه اللوحة والتي كان أول شيء سيفعله هو التخلص منها، ولكن يبدو أن الوقت تأخر فقد رأتها وانتهى الأمر، علم ذلك من خلال تغير موضعها فهي لم تكن في هذا المكان .

ترك الغرفة وذهب لوجهته سريعًا حيث منزل والدها، وصل في وقت قياسي وأخذ يطرق على الباب بلهفة وقلق، فهو لا يعلم عنها شيئًا ولا يعرف حالتها التي عليها منذ أن علمت بالموضوع.

بالداخل فتحت عيونها بضعف وهي تتطلع حولها باستيعاب للمكان المتواجدة فيه، أخذت مدة لتفهم أنها في منزل والدها وسرعان ما داهمت ذكريات الأمس التي قضت عليها مخيلتها لتدخل محراب التعاسة والحزم على الفور، فما عرفته ليس بهين على الإطلاق.

سمعت طرقات الباب العالية لتنهض من مكانها بتعب ومن ثم توجهت لترى من سيقوم بخلع هذا الباب المسكين .
وضعت حجابها على رأسها بإحكام وبعدها توجهت لتفتحه وهي بالكاد ترى، فدموعها التي زرفتها ليلا جعلت من أعينها جمر احمر حارق يحرقها مثلما يحدث في قلبها .

توقفت بصدمة وهي ترى الماثل أمامها، ازداد الشرخ الذي بداخل قلبها فور رؤيته، بينما نظر لها هو بدقة على غير عادته ولاحظ شحوب وجهها وحالتها التي تنم على إنها ليست على ما يرام، وها هو قد نظر للعشب الذي يتوسط عينيها والذي يحاوطه حمرة شديدة .

ربعت يديها أمام صدرها وهي تنظر للأمام تحاول أن تجمع شتات نفسها وتقول ببرود :- نعم !

قطب جبينه بعدم رضا ليقول بصوته الاجش :- إيه نعم دي ! بتعملي إيه عندك ؟

ردت عليه ببرود :- قاعدة في المكان اللي مفروض اكون فيه من زمان .

ازدادت حيرته ليدلف ويغلق الباب خلفه ومن ثم جذبها من ذراعها للداخل لتقول هي بضيق ونفور :- سيب أيدي يا طه .

لم يسمع لها حتى دلفا الصالة وهنا تركها ليقول بغلظة :- ممكن افهم كلامك دة ؟

أردفت بعدم اهتمام :- إيه اللي مش فاهمه يا دكتور طه ؟

ردد بانفعال :- بطلي أم الكلام دة واتعدلي يا سبيل، إيه النغمة دي كمان !

زفرت بتعب لتقول بجرح غائر في أعماق فؤادها الاحمق، الذي سلم طريقا وعرا ولم يحسب أي حسبان لأي طعنة سيتعرض لها في أي منعطف :- اللي جد يا دكتور هو إني فقت بس يا خسارة متأخر أوي بس ملحوقة كل شيء يرجع لمكانه كدة أحسن للكل علشان ترتاح مني كويس .

هم بالحديث لتقاطعه عندما أشارت له بإصبعها بأن يتوقف، وأن ينتظرها لتقر بما يكمن في داخلها، وهي تتظاهر بأكبر قدر من الثبات :- أنا عرفت كل حاجة وعرفت قد إيه كنت واحدة غبية، وغبية اوى كمان .
إزاي مفسرتش دة من الأول كنت عامية للدرجة دي! سبتكم تلعبوا بيا زي ما أنتوا عاوزين ما هو واحدة ملهاش أهل ولا سند، وماله لما تتسلوا بيا شوية .
خدعتوني كلكم حسبي الله ونعم الوكيل.

صمتت لبرهة قليلة لتقول بصراخ وهي تشير نحو الخارج :- اطلع برة مش عاوزة أشوفك تاني، وياريت ورقة طلاقي توصلي في أقرب وقت كفاية لحد هنا .

ظل يراقب تصرفاتها بصمت فماذا يقول وهي محقة في كل كلمة خرجت من فمها، ولكنه كان سيصلح كل شيء وتفاجئ بأنه وصل متأخرًا.

تحدث بحذر :- سبيل اسمعيني .

هزت رأسها بجنون وهي تدفعه بأن يغادر :- مش عاوزة اسمع حاجة، أمشي من هنا مش عاوزة أشوفك، حرام عليكم ليه تعملوا فيا كدة ؟ عملت إيه علشان استاهل كدة ؟

تركها تفرغ شحنة غضبها تلك ولم يمانع في أن تدفعه بقوتها الواهية، فإن كان ذلك سيجعلها ترتاح فلا بأس بذلك، أما هي خارت قواها وما عاد بمقدورها أي شيء، لتشعر بدوار رهيب يعصف بها لتترنح وتسقط فجأة .

****************************

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *