رواية مشوقة٣

=يا بنت عيب كده احنا ساكتلك عشان انتي بنت وأنا بنفسي فعلا سمعت الرجل وهو بيقول لك تعالي اقعدي جنبي عشان صعبتي عليه، ممكن يكون بيتهيالك ولا حاجه وعيب تغلطي في واحد قد ابوكي

لترفع سيده أخري بصرها نحوي بغضب شديد وثبات قائلة بحده

=يعني دي جزات الراجل انه حب يعمل خير.. بس يا حاج بطل عياط حقك علينا احنا انت زي ابونا برده

اخذت الرجل العجوز يصرخ بكلماته وهو يهز رأسه بهستريا وببكاء حار حتي يتعاطفون معه

اكثر.

=والله يا ابني ما عملتلها حاجه والله يا جماعه وحياه بناتي صعبت عليا عشان كده قلتلها تعالي اقعدي جنبي وانت بنفسك سمعتني بقول لها كده، انا تتهمني بتحرش بيها وانا في السن ده و تهين فيا وتقول عليا كذاب.. هي الدنيا جرى فيها ايه بس الواحد بعد كده ما يعملش خير في البلد دي.. هاتوا مصحف احلف لكم عليه ان انا مظلوم وما لمستهاش ولا قربت من جنبها، صدقوني يا جماعه انا مش كذاب عيب لما عيله زيها تهني بالشكل ده ليه بس يا بنتي

حركت راسي بغضب وعدم تصديق لهذا الرجل العجوز وتصنعه الدائم فقد في لحظات انقلبت الموازين وأصبح هو المجني عليه، حاولت الصراخ مثلهم فأنا الحق معي ولكن أنعقد لساني وقد فاض بي الكيل ونظرت حولي مره اخري بشفاه مرتعشه

في حين هز أحد الموجودين رأسه بأسف شديد ثم تقدم نحو الرجل العجوز و امسك بيده وأجلسه علي الكرسي المقابل له، وهو يجول ببصره في المكان ثم قال بجدية وكانه يوجه للجميع رساله ان ما يحدث هذا عيب في حقنا احنا ايضا حتي يتحركوا.

=معلش يا راجل يا طيب تعالي اقعد جنبي انا، انت زي ابويا برده وما يرضنيش حد يهينك وانا موجود

ظليت ابحث في وجه اي شخص عن أي بارقة أمل ولكني لم اجد لكني شاهد شيء اخر المني أكثر، نظرات بعد الفتيات بعجز وقله حيله مثلي هم خائفون أن يتحدثون او حتى يدافعون عني، وقد عرفت قيمه المعاناه الحقيقيه التي تتعرض اليها الفتيات حين التحديث، وهو الخوف وعدم الامان من ردت الفعل بعدها هل سيصدقها احد ام سيحدث ما يحدث معي الان، لذلك عرفت لما كل فتاه تفكر مليون مرة قبل أن تتحدث! حتى لو كانت التي أمام سيده مثلي

فـ الصمت سيكون دائما هو ردت الفعل الينا.. فاذا كنت اليوم لاول مره تجرات وتحدث ودافعت عن نفسي فسوف أتراجع في التفكير بعدها اكثر من مره مثلهم حتي ابوح بما داخلي.. فالمجتمع هذا ما يريده صمت الفتيات وليست أنا.

وبعدها لم يعطيني أحد فرصه للحديث وجذبتني نفس السيده نحوها بقوه وعنف حتى كادت أن أسقط بالأرض من جذبها إلي وشعرت بالرعب الشديد في هذا الموقف لم انساه في حياتي ابدا، كان مؤلم وجع رهيب! ابشع ما تعرضت له في حياتي

وفي نفس اللحظه توقف المترو في محطه ما لينزل بعض الركاب لكن لم تكن هذه المحطه ما أريد الهبوط منها لي ارى السيده التي كانت تجذبني وتضغط على ذراعي بقوه شديدة دون عطف أو شفقه تجاهي و دون مقدمات كانت تدفعني للخروج للخارج المترو بقسوة شديدة وهي تصرخ بصوت غليظ

=هي وصلت بيكي كمان هتتبلي علي الراجل منك لله يا شيخه إلهي ربنا يبتليك بنصيبي، حسبي الله ونعم الوكيل فيكي ربنا على الظالم والمفتري.. يلا غوري من هنا و روحي شوفيلك اي مصيبه تانيه توصلك مطرح ما انتي رايحه داهيه ما ترجعك يارب

انغلق الباب وبدأ يسير المترو لبعيد وشهقت فجأع حتي كنت سوف أسقط لولا حاولت الثبات لكن كانت الآلام تملئ عيني وانا أري الجميع حولي ينظرون إلى بدهشة وفضول وكأني كنت اغوص تحت سطح الماء ثم خدلت قدمي تحتي ولم تقدر علي حملي لي اسقط علي الارض ودموعي تسقط بغزارة دون توقف وانا ابكي بصوت عالي باشفاق علي نفسي من الاهانه والذل التي تعرضت لهما.

وكل ذلك لاني خرجت عن القاعدة و كسرت الصمت، على عكس مثيلاتي، ضحايا التحرش الجنسي وكان قد كان المقابل جزاتي واتهامي بتعدي على رجل مسن واني غير محترمه، لذا يُكتم صوت الحقيقه !! وهنا وثيقة إحتجاج ضد المجتمع وإزالة الأقنعة الزائفة فلا يوجد مجتمعا فاضلا وطاهرا ومثاليا كما نصور أنفسنا نحن المجتمعات الشرقية الذي دائما وابدا يكون الحل بالنسبه إليهم “صمت الفتيات”

ضغط حمزه على فكيه بقوة وهو لا يزال لا يصدق ما سمعه مني وإني قد تعرضت للتحرش الجنسي مره ثانيه وقد عشت هذه التجربة المؤلمه مره اخرى! ثم همست بشفيتن المرتجفة

= طول الوقت لما أي بنت بتتعرض للمواقف اللي زي كده بنحس بالعار بس من ايه محدش عارف منا ولا حتى أني عاوزه احكي بس مش قادره لاني حاسه ان ما حدش هيفهمني

مسحت دموعي وقد تنسيت الألام التى تعصف بجسدي وقلت بوهن

= الخذلان اللي واجهته في الموقف ده كان صعب.. وان ازاي اواجه القرف والوجع دي اصعب حاجه في الحياه! انك تواجه الوجع اللي جواك.. نفسي بجد اعيش حياه ما فيهاش خوف ولا قلق من الناس

لن يفهمنا أحد ، جميعهم يظنون أننا نبالغ ، جميعهم يتهموننا بالبؤس ، جميعهم فلاسفة حينَ لا يخُصهم الأمر ، يعتقدون أنّ الحل سهل ، لن يشعر أحد بما نشعر به ، فنحنُ نتحدث عن أمر أشعلَ في قلوبنا ناراً صعب إطفائها ، أمر جعلنا نشفق على أنفسنا من شدة قسوته ، أمر قطعنا فيه آلاف الأميال تفكير ولم يمشوا فيه خطوة واحدة ..كم هائلة تلك المسافة بين ما نشعر به وبين ما نستطيع شرحه للآخرين لذا توقفنا عن الحديث فلا تلومونا ، لا أحد يهتم ، وحدها قلوبنا التي تحترق.. و هؤلاء الذين نرتدي أقنعة لنرضيهم.. أو نخفي حقائقنا خوفا من نظراتهم الينا .. لا يستحقون الشكر ولن نسعد هكذا معهم أبدا.

اكملت حديثي وقد اغمقت عيناي بالألم

= انا جايز اكون مغلطش بس انا قبلت بالغلط و متكلمتش و هو ده عين الغلط ..انا سكت لما كان مفروض اتكلم.. و ما تكلمتش في الوقت اللي كان مفروض اقول فيه لأ..

فرت الدماء من عروق حمزه و قد شحب وجهه بشدة فور ادراكه ما نطقت بتلك الكلمات المؤلمه امامة ليصمت عاجز على الرد فلا يعرف ماذا يجب عليه أن يتحدث حتي يخفف عنها؟ لكن دائما يقف امامها متجمد وهو يستمع الى معاناتها الصعبة فهي بالتاكيد تمتلك قوه خارقه داخلها لتتحمل كل هذا الالام، فهو لم يري في حياته فتاه مثلها ما زالت تصارع مع الحياه بعزيمه رغم كل ما حدث لها.. تنهد بعمق شديد وقال بصدق

= عارفه يا ريحانه ساعات بقف قدامك في نقط كتير ومبقاش عارف ارد عليكي او اقول لك ايه ممكن يهون عليكي لانك بصراحه بتتكلمي في حاجات مهمه جدا وللاسف ناس كثير بتعاني منها وبتسكت وبنبقى خايفين نواجهه

نظرت إليه ثم اطلقت صيحة عالية ساكنة تخرج من عمق نزيف قلبي الذي بدي كالثور الهائج..انهكتها الحياه و نجحت في تدميري…

حمحم حمزه قائلا باستفهام حتي يغير الموضوع

= مش عايزه تكملي قصتك للناس انا زي ما وعدتك مستمر بالنشر والناس بقت شبه تقريبا مستنين بفارغ الصبر تسمع باقي الحكايه؟.

مرت هكذا جميع السنوات عليا وانا اكبر؟؟ أصبحتُ قليلة الكلام مع الجميع وكثيرة الشرود ، هادئة بمظهر ثابت رغم الضجيج الذي يسكُنني حتى اعتقدوا اهلي اننا انطوائيه ولا أحب الجلسات الاجتماعيه مع الاغراب قبل عائلتي نفسها، لم أعُد أجيد الإقتراب من أحد وماعادت التجمعات تجذبني ، أصبحتُ أخاف من عائلتي و العلاقات ورسم أحلام ورديّة ، أميل دائماً إلى الوحدة رغم كوني ليست المخطئه ، هكذا سارت الأمور معي وانا اكبر، تغير كل شيء بلحظة، لقد أعطَيت كل الأشياء الجيدة دفعة واحدة وردت إلَيَّ بكل السوء الذي يسكُن العالم أجمع..لست بنادمة أبداً ولكن ما يؤلمني أنّ كل شيء سكبت عليه من روحي رحل ، كأنّ روحي المنهكة أصابت كل من ألفَها..

وكل فتره كنت.. أحتاج فقط من حين لآخر أن أنعزل و أبكي كثيراً ، و أحتاج أن أتنازل عن قناع القوة الذي أرتديه .. أنا بخير و لكني أحتاج أحياناً أن أعبر عن كوني.. لست بخير …!!

مررتُ بلحظات شَعرت فيها أن مَخزوني من التحمل قد نَفذ واني لن أَحتمل أكثر من ذلك، خسرتُ كل شيء، شعرت كثيرًا أنها نقطة النِهاية، وأنّ نِهايتي قد حانت، لكن لا شيء من هذا حدث. لم أَمُتْ.. وها أنا أحتمل أكثر، والآن وبمرور الخسائر أتعلم جيدًا من أكون، أُدرك حجم قوتي، وأَعرف جيدًا أنه مهما فسد كُل شَيء يجب أن أنجو.

كبرت حتي دخلت الى الجامعه و كنت و مازالت دائما ابتعد عن الجنس الاخر، اشعر دائما بالخوف و الاضطراب لما هو قادم؟ لم أكون صداقات مع فتيات ولا مع شباب كنت في الماضي امثل اني انطوائيه ولا احب العلاقات حتى اصبحت بالفعل لا أحب العلاقات مع الاغراب ولا الاقارب.. وفي نهايه اليوم اختبئ في حضن الصمت حين ادرك بأن ما احاول شرحه لن يفهمني احد مُطلقاً.

وضع والدي فنجان القهوة أعلي الطاوله بعنف مكتوم قائلا بحده

= وبعدين يا ريحانه ده خامس عريس ترفضي ويكون كويس وما فيهوش عيب وأحد وحش وانتي برده ترفضي من غير حتى ما تقعدي معاه ولا حتي تشوفيه، هتفضلي كده لحد امتى؟

أخفضت بصري وانا اجيب عليه بصوت مخنوق

= لحد ما ياجي نصيبي انا قلت لكم مش مستعجله على الموضوع مش عارفه ليه انتم اللي مستعجلين ومصممين تجوزوني بالغصب

ظهر الغضب والضيق علي ملامح والدي قبل أن يتحدث قائلا بصرامة

= سامعه بنتك يا نشوي بتقول ايه؟ طب ردي عليها أنتي، احنا لحد دلوقتي غصبناها على حاجه، وانا لو كنت بفكر بالطريقه دي كنت زماني جوزتها من غير حتى ما اخذ رايها ولا واقعد في الشهور احايل فيها عشان توافق تقعد مع اي عريس وتشوفه بس

تنهدت أمي قليلاً وهي تنظر إليه بعدم رضي وتهتف بجديه

= يا حبيبتي هو حد دلوقت غصبك واحنا صحيح لو عاوزين نغصبك ما كناش اخذنا رايك كل الحكايه نفسنا نفرح بيكي وانتي فعلا على راي ابوكي زودتها قوي عماله ترفضي في العرسان من غير ما تقولي لينا اسباب مقنعه

نظرت إليهم مطولاً قبل أن انهض واتحدث بعصبية

= في إني مش مرتاحه ومش بفكر في الجواز دلوقتي حلو كده ده سبب كفايه ومقنع ليكم ولا لاء؟

كنت لستُ بخير هذه الفترة ولا أحد يعلم ما انا بي ، أفكّر كثيراً ولا أنام جيداً ، سُكوتي مفاجئ ودقات قلبي موجِعة ، أتألم كثيراً لكن بصمت ، لم أرغب في مجاورة أحد ولا المَيل على كتف أحد ، لم أرغب في أن يكون لروحي رفيق واتحدث معه ، لم يعد تسعفني المحاولات حتى مع أحدهم بينما بعد ذلك نعود غرباء كما كنّا ، ما فائدة أحد بجانبي وكل ليلة لا يُجاورُني سوى البكاء والخيبة.. لستُ بخير أبداً ولكن إن سالني احد ساجيب أنني في أحسنِ حال..

لم يتوقفون عائلتي حاول موضوع الارتباط وكل ليله يتناقشون معي بالهدوء والشد حتى اقتنع واوافق علي أن ارتبط بشخص ويصبح زوجي ورفيقي في الحياه!! كانت بالنسبه لها ستكون فرحه كبيره لكن اليه ستكون نكته سخيفه، فكيف ان ارتبط بشخص وانا داخلي كل ذلك الاسرار الخفيه اعتقد يجب ان اصارحه اولا؟ وهذه كانت اصعب خطوه إليه! فكيف اتحدث وانا اعاني من الصمت كل ليله.

بعد مرور شهرين لم يكن امامي غير الموافقه حتى اتخلص من كثره الحديث والشكوك حولي وارتبط بشخص يكبرني بثلاث سنوات إبن صديق لي والدي لكن كانت هذه اصعب فتره إلي لأن اكتشف جانب في اخر لم كنت اعلم عنه شيئاً؟؟ الخوف والاشتمزاز من خوض تجربة الزواج كلما تخيلت حياتي بعد الزواج كيف ستصبح اشعر انني اريد ان اتقيا من الفكره.. فعقلي يخليني بمخيلات وتفاصيل طفولتي المؤلمه.. ورغم عني اضع مقارنه داخل عقلي وما كان يفعله عمي معي سوف يحدث في زواجي او هذه ستكون طبيعه العلاقه الزوجيه بيننا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *