مراتى حامل
مراتي وهي في الشهر السادس من الحمل بدأت تشتكي كل شوية من وجع شديد في منطقة البطن, وروحنا كشفنا مرة واتنين وتلاتة وكان التشخيص دايما بيقول ان الحمل غير مستقر وان الموضوع كله في إيد ربنا سبحانه وتعالى, كلامهم كان صعب أوي بالنسبالي وكنت بدعي ربنا كل شوية انه يعديها على خير لأني بقالي كتير منتظر الطفل ده..
وكانت لينا جارة ممرضة شغالة في مستشفى البلد اسمها مروة كانت بتيجي تتابع مع زوجتي بحُكم الجيرة, أو يمكن بحُكم انها كانت بتحبني زمان بس انا لقتها لا تصلح كزوجة واتجوزت مراتي دي, وشكلها لسة مش ناسية حبها القديم فبتحاول تقرب مننا بأي طريقة, بس انا مكنتش مركز, كل اللي كان يهمني ان الحمل يكمل ومراتي تقوم بالسلامة..
لحد ما جت الليلة الأسوأ في حياتي لما مراتي تعبت تعب كبير أوي وحصلها نزيف, خدتها وجريت على الطوارئ وانا قلبي هيتخلع من مكانه عشان تدخل للعمليات فورا, واستنيت, استنيت كتير أوي لحد ما جالي الخبر اللي خلاني أقع من طولي, مراتي حصلها إجهاض والجنين اتوفى عشان هي تعيش, ولأول مرة أبكي قدام الناس, أبكي بحرقة على ابني اللي كنت مستنيه بكل الطُرق بس للأسف ربنا كان له تدبير تاني..
ودفنت ابني اللي كان عبارة عن حتة لحمة حمرة, وقامت مراتي وهي في حالة اعياء شديدة جدا, فضلت جمبها تلت أيام بتسند عليها وبتتسند عليا لحد ما أمها استأذنتني تاخدها معاها عشان تقدر ترعاها لأن شغلي هيمنعني من ده, وبالفعل راحت مراتي مع امها وفضلت انا في الشقة لوحدي مع شوية ذكريات قادرين يوقعوني مريض في الفراش لأيام, وده لاني فضل تلت سنين بحلم باليوم ده ومستني أخيرا اليوم اللي هشوف فيه ابني..
وملقتش حل غير اني أتوجه لربنا بالدعاء والشُكر واني أصبر قدام أقداره بكل أدب وخضوع, في الوقت ده بدأت مروة تتصل تطمن على مراتي وبلغتها انها راحت عند امها وحاولت أقفل المكالمة, بس كانت لسة بتتودد, لسة عندها أمل ان قلبي يلين عشانها, بس انا كنت قفلت الموضوع ده للأبد, خاصة لما ادتها فرصة زمان ولقتها استغلالية ومعندهش أي دين أو مبادئ وممكن تعمل أي حاجة بسهولة..
ودخلت عشان انام بدل ما اسيب نفسي فريسة للتفكير الغريب ده, بس للأسف معرفتش, معرفتش أبدا, كنت حاسس بضيق, حاسس اني هتخنق من التفكير, ونزلت من الشقة وبدأت اتمشى في البلد شوية اللي كانت كلها هدوء وسكينة..
بلدنا كانت مبنية بطريقة مختلفة شوية, كنت عشان توصل للمخرج بتاعها لازم تعدي على المقابر نفسها, وكان فيه شارع صغير قاسم المقابر نصين كنا بنعدي منه ونكمل للطريق السريع, وفي النهاية قررت أروح اقعود على القهوة اللي على مدخل البلد شوية, وفعلا روحت قعدت حوالي ساعتين بس محستش بأي فرق يُذكر وقررت أرجع من تاني..
ووانا راجع كانت البلد زادت صمت وبقيت تسمع صوت خطواتك وانت ماشي, لحد ما وصلت لشارع المقابر اللي بعدي من خلاله عشان أكمل لبيتي, ووسط سرحاني وشرودي سمعت صوت همس غريب جاي من قلب المقابر, كأن فيه حد بيوشوش حد, وقفت مكاني وكتمت أنفاسي عشان أسمع الصوت كويس بس مقدرتش أميز أي حاجة, قررت أكمل مشي عشان أسمع من تاني صوت الوشوشة بس كان وكأن في وداني
“بابااااااااااا”
حسيت ان جسمي كله اتنفض, الصوت كان واضح تماما, وكأن اللي بيتكلم على جسمي, وكأني شايل طفل صغير, بس بعدها الصوت بدأ يبعد من تاني, وبدأ يردد تاني
“باباااااااا”
“بابااااااااااا”
حسيت انه بيستدرجني عشان أدخل لقلب المقابر من جوة, بس مقدرتش من الخوف, وخرجت بسرعة من المكان وانا قلبي بيدق وبتنفس بخوف شديد, ورجعت شقتي وانا بحاول أتمالك أعصابي واعتبرت ان كل اللي شوفته ده كان مجرد وهم وخلاص, بس الغريب اني حتى لما نمت بدأت أسمع من جديد الصوت بيتردد في أحلامي
“بابااااااااااااا”
“باباااااااااااا”
وشوفت نفسي واقف في أرض فاضية وفيه طفل صغير واقف قدامي وعمال يعيط بهيستريا, قربت منه في الحلم وانا مُشفق عليه جدا, طبطبت على ضهره وسألته :
– بتبكي ليه يا حبيبي
لقيته وقتها بص ناحيتي وقال:
– بابااااااااا
وقام عاضض بسنانه بكل عنف على كف ايدي, صحيت من نومي مذعور وانا حاسس بوجع شديد في كف ايدي, ووسط خوفي ده بدأت أسمع صوت حاجة بتزحف تحت السرير, جسمي كله وقتها اترعش ومقدرتش أقوم من مكاني أبدا, مسكت الموبايل وشغلت قرآن لحد ما الصوت اختفى وكل حاجة رجعت طبيعية..
بس الغريب ان تاني ليلة وقبل ما انام بدأ الصوت من تاني أسمعه
“باباااااااا”
كان بيتردد زي صدى الصوت وجاي من بعيد أوي, بصيت وقتها من شباك الاوضة وحاجة قالتلي ان الصوت جاي من المقابر, وكأن فيه حاجة عاوزاني أروح هناك بأي طريقة, حاولت أتجاهل الأصوات بس كنت بتزيد يوم بعد يوم وبطريقة مخيفة..
ومن كتر الكوابيس اللي كانت بتهاجمني في الأيام دي قررت في النهاية أروح واشوف فيه ايه, خاصة اني كنت قارئ ان فيه رسايل بتوصلنا من العالم التاني ومينفعش نتجاهلها بأي طريقة, وعلى بالليل مشيت ناحية المقابر وانا جسمي كله بيتنفض من الخوف, وأول ما دخلت لنص الشارع سمعت النداء من تاني
“باباااااااااااا”
“بابااااااااااا”
وقتها بس دخلت لقلب المقابر والأضرحة وانا قلبي بيدق بعنف, عمال أردد الأذكار وادعي ربنا ان كل حاجة تعدي بدون أذى, بس الغريب اني كنت كل ما بقرب كان الصوت بيوضح أكتر واكتر, لحد ما فجاة ومن وسط الظلام شوفت طفل, نفس الطفل اللي كان واقف في الحلم, كان بيشاور ناحية قبر ضخم, واختفى من قدام عنيا في لحظة, حسيت وقتها ان شعري بيشيب من الرعب ده, خاصة مع الظلام والصمت وأضرحة القبور دي..
قربت من القبر وبدأت أسمع صوت بكاء أطفال كتير أوي من القبر ده, قربت منه وافتكرت, افتكرت ان القبر ده قديم جدا ومحدش مدفون فيه, خاصةً ان مفيش ولا اسم محفور عليه, بس الغريب ان القبر كان فيه جزء متهدم منه, جزء صغير يعدي انسان لجوة القبر بالعافية, وبأنفاس مضطربة قربت من الجزء المتهدم ونورت فلاش الموبايل..
وكانت الصاعقة اللي خلت قلبي يتنفض مكانه, شوفت أطفال قاعدين على أرضية القبر في حجم القطط الصغيرة تقريبا, وكانوا كلهم بيبصوا ناحيتي بثبات مخيف, كنت هقع من طولي وخرجت أجري وانا مرعوب تماما, ورجعت شقتي وانا حاسس اني هموت, بس الغريب ان ليلتها شوفت حاجة غريبة أوي, شوفت مروة الممرضة قاعدة في الأرض الواسعة وسط الأطفال وماسكة مشرط وعمالة تقطع في أجسامهم..
وصحيت, صحيت وانا هتجنن, حاسس اني شوية وهفقد عقلي, ومن يومها بدأ النداء يتغير, بدل كلمة
“باباااا”
بقت كلمة
“مروووووة”
“مروووووووة”
وفضل النداء ينادي لتلت أيام كاملين, لحد ما قررت أشوف مروة دي عملت ايه, قررت أكمل في المسار اللي اترسم ليا, كلمت مروة اللي استغربت اتصالي وبدأت اشتكي ان انا حزين واني عايز أفضفض لأي حد, وهي ما صدقت واتقابلنا أنا وهي في مطعم, اتغدينا وقعدنا على كافيه نتكلم شوية, كنت بحاول بأي طريقة أعرف هي مخبية ايه وليه النداء بيجي بإسمها, ومكنش قدامي حل غير اني أفتش في موبايلها..
وقدرت بخدعة بسيطة أسجل برقمها على موبايلي وأغير الباسوورد من خلال رمز وصل على موبايلها اللي كنت بعمل منه مكالمة بحجة اني مش معايا رصيد, وفي لحظة فتحت الماسنجر وانا في الحمام وبدأت أفتش وراها..
وكان الجنون كله ومن أول محادثة كأن القدر بيوريني الحقيقة بسرعة غريبة, كانت فيه محادثة بينها وبين صاحبتها اسمها عبير, مروة كانت شغالة في المستشفى من تحت بير السلم مع دكتور في عمليات إجهاض, وكان ليها زباين كتير, وكانت بترمي جثث الاطفال المجهضة في قبر من القبور وهي مروحة, وقدرت من كلامهم استشف كل الأحداث دي في تلت دقايق بس, وقدرت أفهم انها بترميهم في القبر اياه اللي كنت عنده..
بس اللي صدمني كانت كلمة صاحبتها:
“وحبيبك ده مش ناوي يلين بقا”
“شكله عنيد بس انا مش هسيبه, خليت مراته تجهض بالأدوية ومش هسيبه غير لما يطلقها ويتجوزني ولو بعد ميت سنة”
ووقعت من طولي على الأرض وانا مش مستوعب, هي اللي أجهضت مراتي بالأدوية بما انها اللي كانت بتابع معاها, عشان كدا ابني كان بيتواصل معايا عشان انتقم له وانتقم لكل الأطفال اللي اتسببت في اجهاضهم, شيطانة ولازم تموت بأي طريقة..
وفكرت, وفكرت, وفكرت..
لحد ما رجعتلها وهي كانت مبتسمة ومنتظراني, اتكلمنا شوية وعلى بالليل قررنا نرجع, وعدينا من طريق المقابر وبدأت أسمع من تاني صوت “بابااااااااااا”
وطلبت منها بحزن وقتها تدخل معايا لقلب المقابر نقرأ الفاتحة على ابني في قبره, الغريب انها دخلت كأنها مبتهابش المقابر, مهي متعودة بقا, واستدرجتها لحد القبر اللي بترمي فيه الأطفال, وبدأت الاحظ عليها التوتر الشديد, وقبل ما تستوعب انا بعمل ايه ضـ,ـربتها بحجر على دماغها لحد ما وقعت من طولها, وشلتها ودخلت جسمها من فتحة القبر عشان تدفن مع كل طفل قـ,ـتلته بإيديها, وعشان انتقم لموت ابني..
وهربت, بس وانا بهرب من المكان سمعت صوت استغاثات منها وصوت اهات مُخيفة, ومن يومها مظهرتش, واختفت كل الأصوات تماما, ورغم اني قـ,ـلتها بس مش مُشفق عليها اطلاقا, وشايف انها تستحق الأبشع من كدا, اللي تمشي في سكة الشيطان عشان الفلوس تستحق, اللي تقتـ,ـل طفل في بطن أمه عشان رغباتها تستحق, اللي ميرضاش بالقدر ويحاول ياخد حاجة مش بتاعته غصب هيتحرق في النهاية بنار القدر، حاجة تعلمني اني اللي مخدتوش بعد الأخذ بالأسباب يبقا خلاص مش بتاعي، ومينفعش أحاول أخده بالطرق الحرام أبدا..
فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16)} [الفجر]
بقلم: أحمد محمود شرقاوي
…………….
متنساش لو عجبتك القصة تعمل لاف وتعليق برأيك في كومنت..
ومتنساش تمنشن أقرب صديق لك عشان يتابع معانا القصة أو تشاركها مع أصحابك..
وفولو لصفحتي لو أول مرة تتابعني..
بقلم: أحمد محمود شرقاوي