اصبحت زهرة4

الفصل العشرون

 

طب فهميني طيب سيبتِ الشغل ليه!

ظلت تراوغ جميلة وتهرب منها دون أن تجيب على سؤالها، مسدّت على يدها تحاول بث الطمأنينة بها وقالت بهدوء مجددًا:

 

-احكيلي يا زهرة، مالك؟

 

نظرت زهرة لخالد الذي يقف على باب الغرفة، فانسحب بهدوء وهو يغلق الباب خلفه مع نور الصغيرة، ثانية.. اثنان وانفجرت في البكاء.

 

ذهلت جميلة من بكائها المفاجئ، ربتت براحة يدها على ظهرها لتهدأ، جلست أمامها منتظرة منها أن تحكي، نظرت زهرة لها بعينين تمتلئان بالدموع وأشياء أخرى لا تستطيع تفسيرها.

 

-أنا بس.. مش عارفة.

 

هزّت جميلة رأيها بتفهم وهي تنتظر منها أن تكمل، لم تستطع زهرة أن تكتم دموعها والحكي اامكتوم بقلبها أكثر من هذا.

 

سردت عليها كل شيء حدث منذ شهرين ونصف منذ أن تعينت بالشركة ولقائها بسيف، كانت ملامح جميلة هادئة حتى علمت اسمه الكامل.

 

تركت يدها وتبدلت ملامحها المطمئنة، فمسحت زهرة وجهها بظهر يدها بعشوائية عندما وجدتها تغيرت أمامها هكذا.

 

نظرت لها بعدم فهم، فوقفت جميلة من مكانها وبدلت ملامحها على حين فجأة وغادرت الغرفة دون أي كلمة حتى..

 

رمشت زهرة بعينها تحاول ان تفهم ما أصابها لتغادر مبلدة الملامح هكذا، لكن جميلة عادت مجددًا وأمسكت يدها وهي تقول وهي تضغط على كلماتها بحذر:

 

-اتأكدي إنك متشفهوش تاني.

 

تركت يدها لكن برغم ذلك لم تزل يد زهرة معلقة في الهواء بدهشة، نزلت كلماتها الأربعة عليها برعشة غريبة، لِمَ ستخبرها بهذا؟ لِمَ شعرت بالخوف يتخلخل أوصالها من وقع كلماتها.

 

لكنها تذكرت ما قصتها عليها من قبل، عن عائلة جميلة وما حدث معها، لكنها لم تذكر أسماء عائلتها.

مرّ بذاكرتها بطاقة جميلة التي أمسكتها واسمها “جميلة الشافعي”..

 

كانت تعلم عندما سمعت وقع اسم سيف على سمعها أنها سمعت هذا الاسم من قبل، كيف أن يكون بهذه القرابة، غرابة جميلة وتصرافاتها الغريبة عندما علمت بعملها في تلك الشركة.

 

أقسمت أنه يوجد شيء غريب في الأمر، لم تشعر بالراحة في البداية والآن ها قد عرفت السبب.

 

أسرعت خلفها فوجدتها تجلس في مقابلة زوجها، كلاهما صامتان لا يُسمع إلا صوت الهواء الذي يجوب الغرفة من النافذة الواسعة.

 

وكأن هموم البشر أجمع تثقل كتفيها هي وزوجها، جلست زهرة على ركبتها أمامها وقالت بثقة:

 

-هتفضلوا تهربوا لحد امتى؟

 

ضاقت ملامح وجه جميلة وأعرضت عنها الجهة الأخرى لا تريد الحديث، حرّكت زهرة يدها على وجهها وأعادته للنظر في عينها، وقالت بهدوء:

 

-أنتِ بالذات من حقك تعرفي معنى الراحة، كفاية هرب لحد كدا.

 

ثم أكملت ساخرة من نفسها:

-من معرفتي الصغيرة لسيف، أنا متأكدة إنه هيرجعلك حقك.

قاطعها خالد بعدم فهم وقال:

-سيف مين!

وقفت زهرة وهي تنظر لجميلة التي هزّت رأسها له وهي تقول:

-سيف سليم الشافعي.

انتفض من مكانه وهو يحاول كتم غضبه، وقال:

 

-تعرفيه منين يا زهرة!

 

وقفت جميلة وهي تقول بتعب محاولة جمّ غضبه:

 

-خالد اهدى دي قصة طويلة.

 

حرّك يده بغضب وقال:

 

-أيًا كانت القصة مش هنرجع للمكان دا تاني! أكيد الابن هيكون نسخة من أبوه ومش هسمح إنك ترجعي أو تشوفي حد منهم تاني يا جميلة.

 

اقتربت منه وهي تمسك يده محاولةً تهدئته:

 

-خالد اهدى، هي متقصدش.

 

نظرت لها جميلة وهي تقول بقلة حيلة:

 

-صدقيني يا زهرة أنتِ متعرفيش كل الحكاية، مش هنقدر نرجع للمكان اللي الست دي موجودة فيه، وهو ابنها مش هيصدق أي كلمة عنها.

 

قاطعتها زهرة وهي تقول بسرعة:

 

-ثواني بس! بس أنا لما كنت بسمع الموظفين بيتكلموا في فترات الراحة في الشركة عرفت إنه عايش لوحده، وهو اللي رجع قام بالشركة بعد تعب والده واللي مات من كام شهر بس.

 

ارتسمت تعابير عدم الفهم على وجه الزوجين، فسارعت جميلة بالسؤال قائلة:

-أومال فين فريدة!

-معرفش بس كل اللي يعرفه أعضاء الادارة إن مفيش وريث غيره.

نظر الاثنين لبعضهما بغرابة وهما لا يعرفان ماذا حدث! هناك شيء قد حدث في هذا المنزل ولا يعرفان عنه شيئًا بعد..

 

****

 

نزل من سيارة الأجرة وهو يهندم بذلته الأنيقة ويحمل بيده الأخرى باقة من الورود البيضاء ومعها كتاب مترجم غلافه أزرق، يعلم أنها تحب الأدب ، دفع للسائق وتقدم للبوابة المنزل الكبيرة وهو يتنهد بخوف.

 

يعلم أنها ستكون مفاجأة غريبة لها، لكنه شعر أنه اليوم الموعود، كاد أن يضغط على جرس البوابة إلا أنها فتحت أمامه في مشهد سريالي لطيف لم يتخيله إلا في أحلامه.

 

ها هو بينه وبينها خطوة واحدة، ندمه الوحيد أن ليته أخبرها بحبه منذ أن كانا صغيرة، لكن لا يهم سيخبرها الآن وأمام الجميع.

بات يشجع نفسه بصوت داخله “تشّجع يا آدم هيّا”.

 

كاد أن يدخل لباحة المنزل لكنه تراجع للخلف عندما رأى مسعفين يحملون شخصًا ما على حمّالة ويضعونه داخل سيارة الاسعاف.

 

انقبض فؤاده واقترب دون أن ينتبه له أحد يحاول أن يلمح ملامح الشخص الذين يحملونه، توقف مكانه لدى أن رأى يده تسقط من المسعفين ولمح بها خاتم فضي على شكل بتلة من وردة.

 

سقطت باقة الورد من يده والكتاب، وقف بيدين خاليتين بجواره، مرّت السيارة بجواره وهو يرمقها بنظرات خاوية من المشاعر.

 

هو يعلم ذلك الخاتم جيدًا لن يغفل عن صاحبته، سمع صوت وقع أقدام سريعة تأتي من خلفه، التفت فوجدها فتاة تشبه ملامح حبيبته إلى حد كبير لكنها ناضجة أكثر.

 

نظرت له حبيبة بغرابة وقالت بصوت عالٍ وسريع:

 

-أنتَ مين وبتعمل هنا إيه!

 

نظر لها بعينين مغرورقتان بالدموع وقال وهو يرفع يديه الخاويتين:

 

-أنا آدم.

 

ضاق ما بين حاجبيها وقامت بدفعه للخارج وهي تقول:

 

-باين إنك غلطت في العنوان، بس أنا مستعجلة ممكن تسأل حد من الناس اللي هناك دي.

 

أشارت له على بعض الأشخاص الذين يسيرون في الشارع ثم أوقفت سيارة أجرة ورحلت بسرعة، ظل واقفًا مكانه دون أن يتحرك، حرك رأسه للخلف وهو يناظر باقة الورد التي سقطت في باحة المنزل من خلف البوابة.

 

أوقف هو الآخر سيارة بسرعة ولحق بالفتاة التي رأها دون أن يفكر حتى إلى أين سيذهب.

 

بعد قليل وقفت السيارة لدى أن وقفت سيارة الفتاة أمام المشفى وهرولت لداخلها بسرعة، أسرع خلفها يتبعها بسرعة حتى وصل للغرفة التي وقفت أمامها مع امرأة أخرى كبيرة في العمر.

 

اقترب منهم دون أن يشعروا حتى لاحظ الطبيب يخرج من الغرفة التي يجلسون أمامها، فهبّوا واقفين بسرعة يستعلموا منه.

 

سمع الطبيب يقول بنبرة باردة:

 

-الورم في المرحلة الأخيرة، لو كنتم اتأخروتم أكتر كان الموضوع ممكن يسوء أكتر لا قدر اللّٰه..

 

قاطعته حبيبة وهي تقول بعدم فهم:

 

-ورم! ورم إيه!

 

نظر لها الطبيب بغرابة وقال:

 

-إزاي متعرفوش حاجه عنه، مش أنتم عيلتها! المريضة عندها ورم في المخ في المرحلة الأخيرة، كان لازم تتلقى العلاج بدري

نظرت لوالدتها وصدرها يعلو ويهبط، سقطت والدتها على الكرسي من خلفها بعد أن رحل الطبيب بينما هو لم يزل يقف يستمع من بعيد.

 

فتحت حبيبة حقيبتها وأخرجت هاتف بتول وهي ترى جهات اتصالها، لاحظت وجود رقم كانت تتصل به كثيرًا في الأونة الأخيرة، ضغطت عليه بسرعة وانتظرت.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *