اصبحت زهرة3

الفصل الثالث عشر

 

أضحت حواسها تصغي له بكل ما فيها، مرة يقف في منتصف حديثه يخرج تنهيدة تعالج بعضًا من هذا الأذى الذي يتذكره، ثم يكمل:

 

-منكرش كانت فترة صعبة وعدت، ربنا كافئنا بكائن صغير بيزيح هموم الدنيا لما تبصي في وشه، آمان كانت المكافأة الوحيدة اللي تستحق تُذكر في حياتي كلها بعد سنتين من جوازنا.

 

زادت الخناقات بيني وبينها وبالأخص لما عنادها زاد وصممت تقعد مع أخوها بعد ما آمان جت، أخوها مكنش الشخص اللي الإنسان يقدر أثق فيه بأي طريقة، إنسان مدمن على الشرب، عديم المسؤؤلية، جبان.

 

سكت قليلًا وهو يكور يده في غضب يحاول مقته بشدّة، نظر لدعاء التي كانت تناظره بهدوء، أخذ شهيقًا عميقًا وأكمل:

-وبالإضافة لكل دا كان بيكرهه أخته، أخته اللي أبوه ساب لها الشركة بعد ما مات، حقده وسخطه عليها كانوا بيزيدوا يوم بعد يوم، وبالأخص مع وجود مراته اللي كانت بالأصح هي اللي بتمشيه.

ومع كرهه اللي بيزيد قرر يبيع جزءه من الشركة للشركة المنافسة، بس أخته مسمحتش بـإن دا يحصل، الشركة اللي تعبتْ فيها كان على وشك إنه يدمرها بغبائه.

 

قدرت تشتري أسهمه عن طريق وسيط ونجحت في دا وضمنت الشركة، في نفس اليوم دا كنا سايبين بنتنا في البيت مع أخوها والخدامة، يومها رجعنا ملقناش الخادمة اللي اختفت ومعرفناش نلاقيها بعدها، ولا آمان..

كانت ملامج زهرة تتغير كل مرةٍ عندما يسرد عليها المزيد، قاطعته قائلة وهي تلتفت مخاطبة دعاء:

-قوليلي إنكم لقتوها.

 

ابتسمت دعاء ابتسامة صغيرة متعبة وهي تهزّ رأسها بالنفي، لتقول:

 

-يومها مكنتش عارفة أعمل إيه، دورت في القصر كله ملهاش أثر، كنت شاكة في فريدة مرات أخويا سليم بالأخص إنها السبب في ادمان سليم وموت والدي مش راضي عنه.

 

أكمل خالد نيابةً عنها:

-عدى أسبوعين وبرضو ملهاش أثر، كان معظم شغلي بيشيله زميل عني بس أنا اللي بمضي الحضور كإني موجود.

 

كنا بنشيل بعض، في يوم لقينا البوليس موجود في البيت طالب القبض عليا، بتهمة إنهم لقوا أوراق موقعة مني تثبت اشتراكي بطريقة ما أو بأخرى مع عصابة لِـتجارة الأعضاء.

شهقت زهرة واضعة يدها على فمها وسارعت بالقول:

-تجارة أعضاء!

همهم بصوت مسموع وأكمل:

-قضيت ليلتين في السجن والمحامي قال إن موقفي صعب وكلام كتير من رغي المحامين المعتاد.

بس بعد اليومين لقيت شخص غريب جه وخرجني بكل سكوت، وسمعت كلام من الشرطي وقتها إن في غلط أو حاجه زي كدا.

لحد دلوقت مش عارف خرجت إزاي دا بعيد عن إني مظلوم ومليش دخل في القضية كلها.

 

أخدني الشخص دا لمكان هي كانت فيه معاها شنطة واحدة بس، مقالتش ساعتها غير كلمة واحدة إنها سابت كل حاجه وراها ومشيت.

 

اتعصبت مفهمتش أي حاجه، إزاي تمشي وتسيب تعبها لواحد خمورجي ومراته اللي ممشياه، كان ردها.

 

قاطعته دعاء بنبرة هادئة:

 

-مش هراهن إني أخسرك أنت كمان.

 

صمت الاثنان فأردفت زهرة متسائلة:

 

-ليه غيرتم أسماؤكم؟

 

ردّ خالد بعد أن اعتدل في جلسته:

 

-في ناس كانوا بيسعوا ورانا عايزين  ، معرفش ليه، غيرنا أسماءنا وعيشنا في قرية على أطراف المدينة زي ما أنتِ شايفة، شكلنا اتغير وبقينا جزء من الناس الفقرا اللي هنا، وهديت الأمور.

 

تابعت زهرة:

 

-وآمان؟

هزّ خالد رأسه بالنفي بينما جميلة لم تحرك ساكنًا تترقرق الدموع في عينيها، قالت:

 

-عدى وقت كبير وبقينا في أمان إلى حد ما زي ما أنتِ شايفة، حالنا على قده خالد بيشتغل في مصنع وأنا بخيط هدوم لستات العمارة وحالنا ماشي.

 

سبت القصر وأخويا مازال تحت طوع فريدة، وولاده سيف وسيرين، من فترة كتبت الجرايد عن موت سليم وإن الشركة اتنقلت للوارث الشرعي، مغامرتش أرجع وأدخل البيت تاني وفريدة موجودة.

 

أمست زهرة تهزّ رأسها وهي تنتقل بعينيها بينهما الاثنين، تخلى كلاهما عن حقوقهما لِـيلوذا بالفرار بنفسهما.

 

رأت نظراتهما لبعضهما، لم يتخلى أحدهما عن الآخر ومع ذلك ظُلما واُنتهك حقهما!

 

نزعها من أفكارها صوت رنين هاتفها، فردت وهي تضغي للمتصل، حتى ختمت حديثها بشكره وتتميم لقاءها به غدًا.

 

أغلقت الهاتف وهي تنظر لهما مبتسمة وتقول:

 

-اتقبلت في الشغل وقالولي أروح بكرا.

 

هللّت تقاسيم وجه جميلة، تكاد الابتسامة تصل بين أذنيها، ابتسمت زهرة وأخفضت رأسها للأسفل تفكر بينما خالد أومأ لها برأسه مباركًا ووقف تاركًا إياهم وخرج من الغرفة.

 

وقفت جميلة تراقب زهرة من مكانها على باب الغرفة، حتى هبّت زهرة من مكانها مبتسمة لها وذهبت لتطمئن على ابنتها.

 

لم تتحرك جميلة من مكانها واختفت ملامحها السعيدة فور خروج زهرة، جلست على أقرب كرسي قابلها وهي تفكر، لقد وعدت نفسها منذ تلك السنوات ألا تخفي على زوجها شيئًا آخر مجددًا.

 

لم تخبره قط بما فعلته فريدة وأنها السبب في سجنه زورًا، فقط اكتفت باخباره أنها سئمت كل هذه المشاكل وأنها سترحل، وأن من أخرجه كان إحدى معارفها، حتى أنه ظلّ فترة يفكر كيف أُغلقت قضية كبيرة مثل هذه بهذه السهولة الجمّة!

 

حتى عندما تبعهم بعض الناس الذين أردوا cلم تخبره بتاتًا عن السبب وأن فريدة حتمًا تريد الفتك بهم بأي طريقة.

 

هي مجبرة الآن على الكذب مرة أخرى وألا تخبر خالد أن الشركة التي تعمل بها زهرة هي نفسها شركة عائلة الشافعي، عائلتها.

 

لن تهدم كل هذه السنين من الهرب لكي تطمئن على زوجها، لن يموت شخص آخر الآن، يكفي ابنتها.

 

****

 

-سالومتي كنت عايزة كام قرشين حلوين عشان أشتري طقمين حلوين كدا.

 

همهم الآخر بصوتٍ عالٍ وهو مستلقٍ على أريكته، مُمسك بجهاز التلفاز ينتقل من محطة لأخرى دون أية فائدة، فقالت زينات مرة أخرى بصوت عالٍ حاد:

 

-ما ترد عليا يا راجل مش بكلمك أنا.

 

جلس سالم جلسة معتدلة وابتسم سريعًا وهو يقف من مكانه:

 

-عيوني بس كدا عايزة كام؟

 

تماليت زينات في وقفتها وسارت خلفه إلى غرفتهم وهي تقول بصوت لين يختلف عن سابقه تمامًا:

 

-اللي تجيبه يا سي الرجالة.

 

ختمت كلامها وهي تربت على كتفه وتمضغ لبانة بفمها بطريقة مثيرة للاشمئزاز، فتح سالم خزانة الملابس ونزع قطعة من الخشب للوهلة الأولى تعتقدها جزءًا من الخزانة البالية.

ثم أخرج رزمة من المال التي ما أن رأتها زينات حتى فتحت فمها بصدمة وهي تمسكهم من يده وتقول بلعاب يكاد يسيل على المال:

 

-إيه دا كله إيه دا كله! جبت كل الفلوس دي منين يا سالم!

 

ابتسم الآخر ونفخ صدره يدّعي رجولته وأردف بغرور:

 

-دا شقى العمر كله دا يا عيون سالم، دا حتى وش الفقر زهرة مكنتش تعرف مكانهم، آه مامنش للأشكال دي برضو.

 

لم تهتم بما كان يقوله وأمسى عقلها يحيك العديد من المشاهد، تستطيع الآن شراء ما تريده وأن تكف عن عملها بذاك الملهى الليلي الذي لولاه لما تعرفت على هذا الكنز، فَـيكفيها إياه ويفيض.

 

هزّها سالم وهي يقول بصوت عالٍ:

 

-زينات!

 

عادت لواقعها وقالت وأثار الصدمة لم تغادر ملامح وجهها بعد:

 

-إيه يخويا!

 

ويبدو أنه شعر بما خَيّله إليها عقلها فأشار بسبابته أمام وجهها منبهًا عليها بصوتٍ عال:

 

-بس دول ميتاخدش منهم غير بإذني، سمعتِ؟!

 

هزّت رأسها في إيجاب وهي تتمتم في صمت وتعاود عدّ المال، قلبّ سالم كفيه وقال في سره وهو يلمح تقاسيم وجهها قبل أن يغادر:

 

-ودي أول مرة تشوف فلوس دي ولا إيه؟

 

خرج من الغرفة فتبدلت ملامح وجهها وابتسمت بخبث وهي تقلب المال في يدها بسعادة مؤكدة أنها حتمًا وجدت كنزها الذي طال بحثها عنه.

 

****

 

خطت خطواتها الأولى هذه المرة ببطء وهي تتجه للخلف دون إحداث كلمة واحدة، لا شيء يُذكر عمّا تشعر به الآن، مرّ كل شيء أمامها بالتصوير البطئ.

 

الصراخ والصراخ والصراخ لا شيء آخر، لم يلتفت لها أحد، توجهت لغرفتها بينما الجمع يهرول عكس اتجاهها، أغلقت الباب خلفها وجلست على الأريكة بقرب النافذة.

 

أخذت تتابع بهدوء وتريث ما يحدث، أشرق فجر ذاك اليوم وهي ترى والدها يخرج من المنزل لا ماشيًا على قدميه بل محمولًا في كفنٍ ملفوف بالأبيض.

 

تمتمت بكلمات قليلة وهي تتحسس الزجاج ومشهد والدها يسير أمام عينها:

 

-مات، مات قبل ما يسمعني..

 

أعادت رأسها للخلف، لِمَ لا تبكي؟ تحسست وجهها وعقدت حاجبيها وهي تفكر، أين الدموع؟ هناك مياه يجب أن تتساقط الآن بخفة من عينيها، قد مات أبيها، ماذا بعد؟ لا شيء.

 

جلست أرضًا وهي تنظر بجوارها في المرآة القابعة أمامها، التي تظهر من ظلام غرفتها بصعوبة، فوجدت انعكاسها يضحك حتى أنه أمسك بطنه التي آلمته من كثرة الضحك، وأخذ يشير لها بسخرية:

 

-تريدين البكاء؟

 

رفعت وأخفضت رأسها عدة مرات وهي تنظر لنفسها في المرآة مؤكدة أنها بالتأكيد تريد ذلك، فأردفت الأخرى:

 

-يبكي البشر لأن مشاعرهم تتحرك، تُدغدغهم، تؤلمهم، تنشرخ. لكن أنتِ أين من كل هذا، كيف تريدين البكاء؟

 

يبكي الإنسان لإنه يتألم، أنتِ أين من الألم؟ كيف لكِ أن تتدعي الكذب بعد كل هذا وتقولين أنكِ تشعرين!

 

أنهى ضميرها كلماته ووقع من كثرة الضحك، وضعت يدها على رأسها تحاول كفّ هذه الأفكار، لكنه لم يكف عن الكلام وأكمل بسخريته:

 

-حتى وإن بكيتِ، أنتِ لا تبكين عليه أنتِ تبكين؛ لأنكِ لم تستطعي إخباره بشيء ما.

 

ماذا كنتِ ستخبريه يا بتول؟ ها؟ ها؟

 

أكمل وهو يمثلها بسخرية وأداء فظ:

 

-أبي العزيز أنت أحمق؛ لأنك متّ الآن دون أن تستمع إليّ.

 

وضعت يدها على رأسها والصراخ قد تمكن منها، طرقات على الباب، ولا إجابة، كسرت المرآة، تمددت أسفل سريرها وهي تضم ساقيها لصدرها بخوف والكلمة تجلد عقلها ” يا بتول”.

ترد بصوت خافت يعلو تدريجيًا:

  • ،  ..

 

مرّت الساعات والطرق مرة يزداد على الباب ومرة يسكن، لكنّ الأمران كانا سيّان بالنسبة لها، كل شيء ساكن حولها.

مرّت ساعات أخرى بعد أن قامت وجلست مستندة بظهرها للخلف ورأسها بين ساقيها تتطلع بالشرفة.

 

تسمع صوت القرآن بالخارج، الصراخ، صوت اطارات السيارات تحتك بالأرض وهي تصطف خارج المنزل، التعازي.

هاتفها يعلو صوت رنينه كل مدى لكنها لا ترد على أحد، رفعت رأسها في مرة مع إحدى رناته وفتحت الاتصال، فآتها صوت رجل هادئ:

-بتول.

لم يكن يسمع منها شيئًا سوى صوت تنفسها، فأكمل:

-لازم تيجي بكرا عشان نعمل الأشعة.

وضعت الهاتف أمامها بلا اكتراث على مكبر الصوت وعاودت وضع رأسها بين ساقيها مجددًا تحدق بالشرفة والسماء التي على وشك أن ترعد.

أكمل الرجل بصوت ملهوف:

-بتول كفاية إهمال لحد كدا، الموضوع هيخرج من بين إيدك و..

 

قاطعته بصوت متحشرج:

 

-لسه قد إيه؟

 

حمم بضيق وقال بعد ثوانٍ:

 

-مع العلاج ممكن سنة، من غيره يبقى تلت شهور أو أقل..

 

صمتت مجددًا فقال بصوت ليّن لأجلها:

 

-قولتِ لأهلك؟

 

أدمعت عيناها وأكملت جلسة صمتها المقدس، فختم المكالمة قائلًا بهدوء:

 

-مش محتاج أقولك إن الأعراض اللي غالبًا هتكون بدأت عندك، أنتِ في مرحلة متأخرة من الورم فأرجوكِ ابدأي العلاج، حتى لو مش هو الحل هيديكِ وقت أطول..

 

أغلقت المكالمة، لم تتحدث وظلّت تراقب قطرات المطر التي تترقرق على زجاج النافذة، ظلّت تراقب بصمتٍ، وتبكي..

 

****

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *