اصبحت زهرة 2
الفصل التاسع
صاحت زهرة بصوت عال وهي تتجه إلى دعاء فور أن دخلت من الباب:
-اتقبلت يا ماما اتقبلت!
أقبلت عليها سريعًا وهي تضمها بشدّة، تصنمت دعاء في مكانها فور أن سمعت كلمة ماما وعادت بذاكراتها لذاك اليوم قبل تسعة عشر عامًا.
ــــــــــــــــــــ
-بترسمي إيه؟
جلست على ركبتيها وهي تقرب رأسها من الصغيرة التي أشارت للمنزل.
-برسم نانا.
ابتسمت بعفوية وهي تحملها وتضعها على قدميها وتقول:
-امم سليم بقا نانا، وريني.
كانت رسمة طفولية لتلك الطفلة التي لم تتخطى سنواتها الخمس بعد، رسمت سليم وبجواره يحوم لون أزرق لم تفلح الصغيرة في ضبط الصورة بصورة أوضح فأشارت لها متسائلة:
-وإيه دا؟
-مية كتير.
-ليه؟
-عشان نانا بيعيط كتير، بيعيط كتير لما بيشوفني.
لم يخلو كلام طفلتها من تأتأتها المعتادة، هزّت رأسها بهدوء وهي تفكر ناظرها للمنزل.
أعادت نظرها للصغيرة وقالت وهي تشير لسيف الصغير الذي يجلس بعيدًا:
-مبتلعبيش مع سيف ولا سيرين ليه؟
رفعت رأسها الصغير وعينيها ممتلئتان بالخوف، هزّت رأسها بمعنى لا فتساءلت جميلة:
-ليه؟
همست الصغيرة باضطراب:
-خايفة منها.
ختمت حديثها وهي تشير للمرأة -التي لم تلحظها جميلة من البداية- الواقفة في شرفتها تتابع كل ما يدور في الحديقة بصمت.
أخفضت نظرها لطفتلها التي تجلس على قدميها وربتت على ظهرها بهدوء قائلة بابتسامة تريح فؤادها:
-طول ما أنا موجودة متخافيش يا آمان، أنا هفضل جول عمري جنبك.
شعرت بيدي طفلتها الصغيرة تحاوطها بدفء وببراءتها المعتادة، فأغمضت عيناها وهي تتمتع بهذه الذكرة.
ـــــــــــــــــــــــــ
-ماما!
رمشت دعاء قليلًا وهي تعود مجددًا للواقع، لتردف سريعًا:
-ها! آه مقولتليش حصل إيه؟ احكيلي.
جلست إليها وهي تسرد عليها كل شيء بدءًا من محاولتها الأولى إلى أن نجحت بالمقابلة، ولم تسرد عليها مقابلة ذاك الشاب الذي لا تعرف اسمه حتى.
صفقت دعاء بيدها فرحةً وقالت:
-هيقبلوكِ بإذن الله، اسمها إيه بقا الشركة التانية دي؟
-شركة (بي إس للأدوية)* كانت شركة مش كبيرة أوي بس سمعت من موظف كان بيتكلم إنها بدأت من كام سنة بعد ما كانت أفلست بس مديرها دلوقت قدر يكبرها تاني.
كانت تتحدث زهرة سريعًا كعادتها ولم تنتبه لتلك التي شخصت عينيها فور أن سمعت باسم الشركة وقالت سريعًا مقاطعة زهرة:
-طب طب شوفتِ مديرها؟
ضاق ما بين حاجبي زهرة وأردفت بـ “لا” وقالت:
-بس سمعت إنه شاب باين، اسمه حاجه الشافعي مش فاكرة.
لم تنتبه دعاء أنها أمسكتها من مرفقها وأمست تنهال عليها بأسئلتها:
-متاكدة؟ واحد ولا واحدة!
-لا أعتقد شاب، بس مالك مخضوضة كدا؟
نظرت دعاء ليدها التي تمسكت بها أبعدتها سريعًا وقالت بابتسامة مصطنعة:
-لا لا أصل يعني كنت بسمع عن الشركة دي ومعروفة وكدا يعني، فكنت فضولية أعرف مين مديرها وكدا..
نظرت إليها زهرة ولم تقتنع فهزّت رأسها دون أن تتحدث وقالت:
-آه، طب هطمن على نور وجاية لك.
ازدردت دعاء ريقها وابتسمت وهي تحرك رأسها بالإيجاب، وفور أن اختفت زهرة عن أنظارها حتى أخذ صدرها يعلو وينخفض وصوت لهاثها وصل لأذان زهرة التي لم تكن ابتعدت كثيرًا بعد كما ظنت.
دخلت لغرفتها فوجدت الطفلة تجلس هادئة تلعب كما هو المعتاد منها، مسّدت على شعرها وهي تبتسم ولا تعلم لِمَ قفز لعقلها مشهدها وهي تمدُّ لها يدها من أسفل السرير وكيف كانت ساعتها.
وجهها الثغير بدلًا من أن ناطقًا بالسعادة والمرح تبدل بالبكاء، انكمشت على نفسها في خوف وهي تخرج صوت أنين خافت.
تنهدت بضيق وهي تنظر للمرآة وتتمتم بصوت مسموع:
-انسي كل دا انسي..
لمحت الحقيبة التي أعطتها إياها زهرة خلف الباب، يبدو أنها نست أن تفرغها يوم أمس، جلست على الأرض وفتحتها وهي تفرغهها وفور أن انتهت من إخراج الملابس جميعها.
لمحت شيئًا يشبه البطاقة يخرج من فتحة مخفية في طرف الحقيبة، أخرجت بطاقتين فتبين أنهما تشبهان بطاقة عمل إلى حدٍ ما.
أمسكت البطاقة الأولى وبها صورة لِامرأة تشبه دعاء لكنها أكثر شبابًا، تسمرت عيناها وهي تقرأ بصوت خافت:
-جميلة الشافعي، رئيس مجلس الإدارة.
سحبت الأخرى، كانت بها صورة لرجل يشبه السيد أحمد لكنه أكثر شبابًا وقوة أيضًا ويحمل بالطو أبيض، يرتدي نظارة تزيد من وسامته، أكملت القراءة:
-خالد يحيى، طبيب جراح مخ وأعصاب بالمشفى الجامعي.
وقفت من مكانها ولا تزال صدمتها كما هي لم تقل، خرجت من الغرفة فوجدت دعاء تجلس وبقبالتها السيد أحمد يتبادلان أطراف الحديث، فقالت بصوت مسموع:
-جميلة؟
توقفت دعاء عن الحديث هي وزوجها اللذان تصنما مكانها لوهلة ثم التفتا إليها وهي تحمل في يدها البطاقات.
أكملت زهرة بنبرة مهزوزة:
-جميلة الشافعي.
وقفت دعاء من مكانها وهي تنظر إليها، تمتمت في صمت:
-يبدو أن كذبتنا قد كُشفت..
****
-بالنسبة لسيرين؟
كان يجلس في مكتبه وقد حلّ الليل، تابع أكرم المحامي الجالس أمامه حديثه بعملية:
-مقدرش يمنع والدتك إنها متخدهاش، والدك كان عابز ينهي الموضوع من غير ما يتطرق لمحكمة ولا غيره.
-طب بعد ما سافرت ألمانيا، ليه مسمعتش عنها أي حاجه؟
-والدك كان خايف عليك خصوصًا إنك كنت مبتكلمش مع حد ودايمًا قاعد لوحدك،دا بالنسبة لك ميقلقش أي أب؟
بالإضافة إن مصلحتك له كانت الأهم، وكان برضو على اتصال مع سيرين.
آه هي مش على أحسن حال خصوصًا إنها عايشة مع فريدة بقالها سنين بس والدك قدر برسايله يبني جواها جزء كويس، فشلت فريدة إنها تتغلب عليه.
الرسايل كانت بتتسلم من قِبل واحد معرفة لوالدك هناك، فريدة مكنتش بتتكلم، أو بالأصح مكنتش بتتدخل بعد ما والدك قدر يقنعها بنفقة كويسة سكتتها.
-طب أنا عايز أشوف أختي.
-جالي خبر إن والدة حضرتك نازلة مصر كمان يومين، تقدر تستغل الفرصة دي وتقرب من سيرين.
وصدقني أختك محتاجة هدنة فترة بعد كل اللي مرت به مع والدتك، أقدر أقول باختصار إن والدتك مكنتش الأم اللطيفة نوعًا ما.
هزّ رأسه وعقله مضطرب، نظر المحامي للشرفة ثم وقف أكرم من مكانه وقال:
-أعتقد كدا كفاية للنهاردة، نكمل كلامنا بكرا.
سار نحو الباب وقبل أن يسحبه، استدار إليه وقال بابتسامة بشوشة:
-أنا قبل ما أكون محامي والدك أنا صديقه بقالي سنين، وكصديق أقدر أقولك هتلاقيها قريب متقلقش.
خرج أكرم بينما سيف ظل متركزًا بعينيه على الباب ثم ابتسم، يبدو أن لهذا المحامي قدرات خاصة لقراءة الأفكار، نزعه من أفكاره رنين الهاتف فأجاب سريعًا:
-أيوا.
-ملقناش حد بنفس الاسم والصور دي يا بيه.
-يعني إيه ملقتوش! أومال أنا دافعلكم فلوس ليه!
-يا باشا الموضوع صعب خصوصًا لاتنين بقالهم مختفيين يجي عشرين سنة، مفيش سجلات ولا أي حاجه كله اختفى.
-طيب اقفل وكمل شغل.
أغلق الهااف بغضب ووقف ينظر من شرفة مكتبه، تخللت يده شعره في غضب حتى كاد يخلعه بين يديه.
نظر للكتاب بين يديه وأخرج من بين طياته صورة لهم، الصورة الوحيدة التي تجمع عائلة عمته المختفية، زوجها وهي بجواره وابنتها التي تضحك، يكاد يقسم أن صوت ضحكة الصغيرة يترنم داخله أذنيه، نظرة زوجها لها وابتسامتها.
قلب الصورة فَـوجـد عبارة مكتوبة بخط اليد بعض أحرفها مُسحت بفعل الزمن.
“أشعر أني سأترك كل شيء يومًا ما خلفي، وأرحل.
لكن إن حدث هذا لا أريد أن تتركوني، لا أريد أن تخرج صغيرتي من داخلي”.
قرب الصورة من صدره وكأنه يحضتنها، أعاد وضعها في الكتاب ثم مسح على وجهه وهو يقسم بداخله أن يعيدها والأهم أنه سيعيد إليها حقها المسلوب بِلا رحمة.
لقد وُلدتِ الشخص الذي سيوقفكِ يا فريدة هانم..
****