اصبحت زهرة 2

الفصل الثامن

 

أفاق من شروده على فتاة قصيرة تجلس بجواره، ويبدو أنها لم تلاحظ وجوده، كاد أن يتسحب من جوارها بهدوء لكنها بدأت بالبكاء بصمت دون توقف، عاد للجلوس مجددًا بعد أن شعر بغصة في قلبه بعد أن رأها، ما أن سألها عن حالها حتى فزعت من مكانها. +

دهش من تلقائيتها في الحديث، والشيء الذي أراحه أنها لا تعرفه، سئم من كونه رجل الأعمال الذي تنتشر صوره في المجلات والجرائد كل يوم.

 

شعر براحة وكأنه على سجيته معها، طريقة حديثها البسيطة الريفية، وهي تحاول أن تضبط الحديث لتتحدث بطريقة لبقة متحضرة مثله.

 

جمالها الذي أسره وضحكتها البلهاء، أفاق من تأملها على صوتها، فأكمل حديثه معها، رأى أوراقها ودُهش فور أن علم أن هذه القصيرة التي لا تكاد تكمل التاسعة عشر من عمرها في العشرينات من عمرها.

 

أنهى حديثه المضحك معها وودعها، كانت عفوية حتى في وداعها، أخرج هاتفها واتصل على المحامي وقال بصوت جامد كأنه لم يكن الذي يضحك منذ قليل:

-هستناك بكرا في البيت.

أغلق الهاتف وهو لا يستطيع نسيان تلك الفتاة، تنهد بهدوء وأخرج هاتفه مجددًا، لحظات وأجاب الطرف الأخر باحترام:

-أيوا يا سيف بيه.

-أيوا يا محمود أنت اللي عملت المقابلات بتاعت الموظفين النهاردة صح؟

 

أكدّ الآخر على كلامه ليكمل سيف:

 

-في بنت كانت متقدمة النهاردة اسمها زهرة محمد.

 

-ثواني يا فندم.

 

بحث من بين الأوراق وأخرج ورقتها أمامه وقال:

 

-أيوا يا فندم في فعلًا بنت قدمت النهاردة بالاسم دا، بس مش هتتقبل عشان قلة خبرتها وحتى مفيش كورسات ومتخرجة بقالها كام سنة.

 

-تمام يا محمود اقبلوها.

 

-أفندم!

 

-اقبلها يا محمود زي ما بقولك.

 

-بس إحنا اكتفينا في الحسابات يا فندم.

-مش إحنا كنا بندور على سكرتيرة ليا؟

-أيوا يا فندم وفي متقدمين جايين بكرا.

-الغي كل دا وقول إن في حد اتقبل في الوظيفة.

قال الموظف بغباء:

-مين دا يا فندم؟

تأفف سيف وقال:

-اقبل البنت يا محمود وملكش دعوة.

-بس يا فندم دي م..

-محمود!

-حاضر يا فندم.

 

****

 

-هتقدر تمشي على العكاز؟

 

هزّ رأسه في ضعف وأغمض عينيه محاولًا صلب جسده والوقوف، مرّت دقائق حتى استطاع النهوض والاستناد على العكاز وابنته الواقفة بجواره، خرج من غرفته وهو يدور بعينه في المنزل.

 

أبعد يده عنها وقال بجمود:

 

-سيبيني.

 

قاطعته بقلق:

 

-بس يا بابا حضرتك مش كويس.

 

-قوليلي بس هي فين وسيبيني.

 

أجابته وهي تشير لحديقة المنزل، هبط السلالم وسار ناحيتها ببطء، رفعت عينيها عن الكتاب وهي تراه مقبلًا ناحيتها متكئًا على عكازه، شاب شعره وزادت تجاعيده كأنه كبر مئة عامٍ مرة واحدة.

 

أدمعت عيناه وهو يتابع خطواتها التي تنساق نحوه، وقفت بجواره وهي تضع يده الأخرى على كتفها تساعده على المشي، حتى وصلا إلى الكرسي.

 

لم تتزحزح عيناه عنها حتى جلس وجلست هي قبالته، كيف من المفترض أن تكون أحاسيسه الآن؟

أيشعر بالذنب لمغادرة ابنته منزله لأنه أراد ما ابتغاه فقط.

 

والآن أمن المفترض أن يعتذر؟ أسف يا ابنتي لأني لم أعطي لأحلامكِ بالًا؟ فقط لإجبراكِ على شيء لم ترغبي به قط.

رفع رأسه بعد أن أوقف شريط أفكاره بصعوبة، نظر لها فوجد أنها لا تقل حيرةً عنه، حاولا فتح الحديث بأي طريقة فقالت:

 

-قالولي إن حضرتك كنت مشغول الأيام اللي فاتت مع الفلاحين.

 

حرك رأسه إيجابًا وأردف وهو يحكي عن أمور الأراضي وحال الفلاحين وحصاد هذا العام، تمتمت بصوت عالٍ:

-يزيد الخير في وجودك دايمًا يا بابا.

قهقه وهو يمسد على عكازه بضعف:

-بقالي خمس سنين مسمعتش منك كلمة بابا يا بتول.

 

رفع عينيه متأملًا إياها بهدوء:

-استنيتك تعاتبي تناقشي وتتخانقي زي عادتك، فجأة يومها لقيتك مش معاندة ساكتة وقررتِ بكل هدوء تختاري الاختيار التاني.

صمت ثم أكمل:

-إنك تسيبِ البيت، بيتك وتمشي.

 

أخرج زفيرًا طويلًا وتمعن بالنباتات من حوله، حتى سمع صوتها الذي اشتاق لسماعه كل يوم على مدار الأعوام التي مرّت:

 

-كله كان ضدي، يإما أرضى باللي المفروض وهو إني أتجوز شخص لا بطيقه ولا عايزاه وإني أحقق ذاتي وأكمل حلمي للآخر.

وبعد كل دا أنا فين! أنا كنت فين من قرارك يا بابا، مفكرتش فيا.

 

فرّت دمعة من عينيه وقال وهو بالكاد يخرج نفسه:

 

-كنت عايز أضمن لك مستقبلك يا بتول، كنت عارف إن عمرك ما هتكوني زي إخواتك ودايمًا ليكِ تفكير غيرهم بس مسيرك يكون لكِ بيت يا بنتي.

كنت بدور على سعادتك زي إخواتك، ربنا عارف محبتش قدكم أنتم التلاتة في حياتي.

 

وقفت من مكانها فرفع رأسه يناظرها بتعبٍ لكنها لم تستطع قراءة التعب بوجهه، لم تنتبه لنبرة صوتها العالية وقالت والدموع تنهمر منها:

 

-أكون زي إخواتي!؟ زي حبيبة اللي لسه عايشة في وهم إن جوزها مماتش في الجيش ولسه هيرجع، بقالها كام سنة مستنياه، حبيبة اترملت بعد سنة واحدة بس من جوازها يا بابا، وعايشة في بيت جوزها كل يوم وكل ساعة مستنية جوزها الميت يرجع!

 

ولا آمنة اللي جوزها مش مقدرها ودايمًا بيقلل منها قدام الغريب عشان تعليمها أقل منه، طول عمره بيقلل منها وعايشة وساكتة، ليه! عشان إزاي بنت سعيد باشا اللي بنى كل العز دا تتطلق وسيرتها تبقى على كل لسان.

 

أنت مكنتش عايز سعادتنا يا بابا، أنت عملت اللي أنت كنت عايزه وأنا مش هبقى زي إخواتي!

 

نبرتها كانت تعلو شيئًا فشيئًا دون أن تشعر، لم تنتبه أن والدها يضع يده على قلبه وألمه يزداد شيئًا فشيئًا حتى وقع أمامها! فغر فاهها بصدمة ووضعت يدها على فمها ودموعها تنهمر.

 

كان إخواتها الاثنتين ووالدتها تتابعان حوارهما من بدايته، وفور وقوع والدها حتى جرت آمنة عليها وهي تصيح بصوت عالٍ:

 

-صباح!! اتصلي على الدكتور بسرعة، هنية تعالي ساعديني أودي بابا لأوضته.

 

سندته آمنة وحبيبة، تبعتهم بتول وهي تقول بصوت عالٍ:

 

-دكتور! دكتور لإيه! بابا ماله؟!

 

أشارت حبيبة لصباح أن تحل محلها وتسند والدها، رمق الجميع بتول بنظرة تجهل مغزاها، لِمَ الجميع يحدق بها هكذا!

 

انتظرت حبيبة حتى دخلوا، والتفت وهي تربع يديها مقابلة أختها التي لم تقل دهشتها أو صدمتها مما حدث حتى الآن.

 

-بابا تعبان! ماله!!

 

تنهدت حبيبة وقالت بملامح جامدة:

 

-هتعرفي لما الدكتور يجي.

 

صممت ثم تابعت:

 

-أنا فعلًا عايشة في وهم و..

 

قاطعتها وهي تحاول أن توضح موقفها الصعب:

 

-حبيبة أنا مكنش قصدي أنا.. أنا..

 

انفجرت في وجهها وقالت:

 

-أنتِ إيه!! ها! أنتِ إيه! وصلتِ لدرجة الأنانية دي امتى! بس تعرفي حاجه بابا هو السبب إننا وصلنا لكل دا، خلاكِ تفكري بنفسك بس.

كل واحدة فينا رضيت بحياتها وساكتة إلا أنتِ، أنتِ الوحيدة اللي مشيتِ ورا حلمك واللي أنتِ عايزاه ومحدش قالك حاجه، محدش وقف في وشك، عارفة ليه!

 

عشانه! هو اللي قال سيبوها لحد ما الموضوع خرج عن حده، إحنا فلاحين يا بتول عايزانا نفكر إزاي لما بنت عايزة تسافر وتكمل حياتها برا!

 

متخيلة الناس هتقول إيه يا بتول!! واحدة ماشية على حل شعرها! أبوكِ مكنش قادر يستحمل أكتر من كدا، أعترف إن شهاب مش أحسن حاجه ممكن طموحك يوصل له، بس دا ابن عمك، القريب أبقى من الغريب مش كدا.

 

أختك عايشة وراضية وساكتة بدل ما تكون مطلقة وسيرتها تكون على كل لسان.

وأنا هفضل مستنياه يا بتول! أيوا هفضل مستنياه!

لم تستطع الاحتمال أكثر من هذا وسقطت راكعة على قدمها وهي تصرخ بأعلى صوتها:

 

-ارتحتِ كدا، هفضل عايشة في بيته مستنياه أنا وأبوه، أبوه اللي مستني ابنه بقاله سنين، شوفتِ شكله وهو قاعد على باب البيت من بعد الفجر مستني ابنه الوحيد، جاتله جلطة في المخ لما جاله خبر ابنه، بس لسه مستنيه.

 

فرحانة بحكايتي! ولا حكاية أختك، أختك اللي عمرك ما عرفتِ عنها حاجه، عمرك ما كنتِ قريبة منّا، عايزة أختك تطلق! طب وولادها!

 

ولا أبوكِ وأمك، عارفة قد إيه أمك كانت بتفضل تبص على البوابة مستنياكِ تدخلي منها!

بابا قلبه معدش مستحمل والدكتور محذره من أي انفعال!

 

عايزة إيه أكتر من كدا!

 

بُح صوتها من شدة الصراخ، لتسقط بتول أمامها وعيناها محملتان بالدموع المتحجرة، كل هذا حدث ويحدث وهي لا تعرف!

 

مسحت أختها على وجهها وقالت وهي تمسح على وجهها بصوت مبحوح:

 

-بس معذورة برضو، هتدوري على إيه ولا إيه؟ مقدرة حلمك وطموحاتك زي ما بتقولي بس أنتِ عمرك ما عطيتِ لنا من وقتك، كنتِ ومازلتِ أنانية لدرجة صعبة يا بتول!

مرة واحدة، بس مرة واحدة فكرتِ فينا!؟

 

ختمت حديثها بهذا السؤال الذي احتج رأس بتول به ذهابًا وإيابًا، وقفت حبيبة تحاول صلب جسدها بعد أن أخرجت هذه الأقوال المكتومة بها من سنين ولا تستطيع التحدث بها حتى! مسحت وجهها وأنفها بعشوائية.

 

أعرضت عنها ودخلت للمنزل متجهة لغرفة والدها، تاركة أختها خلفها بعد أن رمت بوجهها كل ما وجب قوله، بينما بتول لم تتحرك من جلستها كما هي، تفكر..

 

لِمَ وصلت الأمور لهذا الحد؟ كيف كانت معمية هكذا؟

****

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *