عادة
من وانا صغيرة وعندنا عادة شهرية ثابتة ومقدسة تقديس رهيب من أمي، كنا يوم ١٥ في الشهر لازم نزور ضريح الشيخ بركة ونصلي هناك وندعي ونتصدق على المساكين اللي هناك وبعدها نرجع للبيت، عادة استمرت لمدة سنين طويلة، ويا ويل اللي كان يرفض يروح مني انا واخواتي، كانت أمي بتضربه لحد ما تكسر عضمه وتفضل تردد..
“عاوزين تحرمونا من بركة الشيخ بركة يا ولاد ال…”
وفضلنا على الحال ده كتير أوي لحد ما كبرت ونوعا ما بدأت أشوف ده موروث فاسد وكله دجل وفساد كبير، وبدأت أعارض أمي في كل زيارة باستماتة، لدرجة إن أمي قاطعتني شهر كامل عشان مروحتش معاها مرة، بس مع إصراري ومع سنها اللي كبر مبقتش بتعرف تجبرني إني أروح للضريح تاني، وكانت دايما مبسوطة من اختي الكبيرة اللي كانت بتقدس العادة دي زي أمي، بل وكانت قبل الزيارة بيوم بيصرفوا ثروة ويعملوا وليمة كبيرة للناس هناك، عشان البركة طبعا..
والاسوأ كمان إني عرفت ان جدتي كانت برضه بتقدس العادة دي اللي خدتها من أمها، سلسال طويل من موروث غريب مكنتش مقتنعة بيه إطلاقا، وكبرت أكتر وبدأت الدنيا تاخدني من ناحية الدجل ده، لحد ما جالي عريس كويس وكنت مبسوطة جدا لأنه هيخرجني من وسط البيت اللي بيقدس الخرافات ده..
وطبعا أمي من يوم الخطوبة بدأت تلح عليا عشان أزور الضريح واخود البركة عشان جوازي يتسهل والدنيا تكمل، وكنت لسة على إصراري وشايفة إن كل ده مالوش أي لازمة إطلاقا..
وكملت خطوبتي لحد ما اتجوزت ومشيت من البيت كله، كنت متجوزة في نفس المنطقة بس كنت مبسوطة إني خرجت من المحيط المعتوه ده، ومع ذلك كنت ببر أمي ومحافظة على صِلة الرحم، وكمل جوازي لمدة شهر واحد بس وبعدها بدأت الأمور تاخد منحنى غريب أوي..
ليلتها شوفت في الحلم إن فيه تعبان اسود ضخم بيزحف على السرير بتاعي، صحيت مخضوضة من النوم وبدأت أطمن نفسي انه مجرد كابوس وهيروح لحاله، بس للأسف مكنش مجرد كابوس، لأن حالتي الصحية بدأت تتدهور بطريقة غريبة..
والأسوأ إن التعبان ده مبقاش ظهوره في الحلم وبس، جوزي لما كان بس بيفكر يقرب مني كنت بلمح التعبان على السرير وبيبص ناحيتي بعيون دموية، وطبعا كنت بصرخ واتنفض وكان بيفشل الموضوع تماما..
ومع كثرة المحاولات الفاشلة بدأ جوزي يمل مني ويزهد فيا، بل وبدأت المشاكل تكتر ما بينا لأتفه الأسباب، ببساطة هو شهر جواز وكل حاجة في حياتي بقت من سيء لأسوأ، لحد ما جت ليلة تعبت فيها أوي وحسيت بصداع غريب، ومن شدة الصداع خدت مسكن ودخلت عشان أنام..
وقدام عنيا وانا مشوشة شوفت واحد واقف قدام سريري في الضلمة، كانت هيئته بتقول انه جوزي، بس وقفته طولت بطريقة غريبة، وانا من كتر الصداع والدوخة مكنتش قادرة أنادي عليه، مديت ايدي وولعت نور الأباجورة وفوجئت بمشهد بشع قدام عنيا..
شوفت جوزي ماسك تعبان في ايده وبياكله بطريقة فظة جدا ووشه مليان دم، وراح الصداع في ثانية وصرخت بهيستريا عشان اتفاجئ بجوزي بيدخل من باب الاوضة وهو مخضوض، واختفى التاني، اختفى تماما، اتصل بأمي وقتها وانا فضلت في اوضتي ببكي من شدة الخوف والتعب اللي كنت فيه..
وجت أمي مخضوضة وفضل يحكيلها كل حاجة بالتفصيل, وبدأت ملامحها تتغير للغضب, وجت الاوضة وافتعلت معايا مشكلة كبيرة, والاتهام الرئيسي إني مباخدش بركة الشيخ وان دي لعنة نزلت على حياتي بسبب كدا, كنت لسة مصدومة من اللي شوفته ومعنديش طاقة للخناق ولا للجدال, وأقسمت عليا يومها اننا لازم نروح بكرة لضريح الشيخ ندعي ونلتمس البركة..
وانا للأسف كنت في حالة ضعف كبيرة, مكنتش هقدر أقول لا للأسف, ولما سألتها طيب ده هيجيب نتيجة ازاي قالتلي إن عباد الله اللي بيساعده الناس كتير أوي هناك, مفهمتش كلامها غير لما روحنا تاني يوم, دخلنا للضريح وطلبت مني أمي أقف أدعي قدام الضريح لحد ما تزور حد معين وتجيلي..
وقفت قدام الضريح حاسة بتوتر كبير, بقالي كتير موقفتش الوقفة دي, وكمان المشاهد هنا مريبة جدا, اللي بيتحسس الضريح واللي بيقبله, واللي بيدعي بإسم الشيخ, مناظر مكنتش حاسة إنها صح إطلاقا, في الوقت ده جت أمي وسألتني دعيت ولا لسة, قولتلها إني دعيت, خدتني بعيد عن الناس وروحنا لواحدة ست عجوزة لابسة شال اسود, أمي عرفتها بيا وبدأت الست تبصلي بصات غريبة أوي في عنيا, بعدها طلبت من أمي تستنا هنا وخدتني ناحية باب جانبي ودخلنا منه, وفوجئت في لحظة إني جوة قاعة كبيرة أوي منورة بشموع كتير على الحوائط..
قالتلي إني هدخل لشيخ مبروك ورث العِلم عن مشايخه اللي ورثوه عن صاحب الضريح نفسه, وإني لازم أكون مطيعة ومؤدبة في الكلام مع الشيخ, وخدتني لأوضة صغيرة ودخلت منها, لقيت راجل خمسيني بلحية بيضا ولابس جلباب أبيض وعِمة خضرا قاعد جوة وماسك عود بخور..
طلب مني أقرب منه, قربت منه وانا بترعش وخايفة, اداني عود البخور أمسكه في ايدي وبعدها طلب مني أغمض عيني واتنفس ببطئ وابدأ أحكي كل حاجة بالتفصيل, تمالكت نفسي بالعافية وبدأت أحكيله عن اللي بشوفه, التعبان الاسود, والموقف اللي حصل بيني وبين جوزي, والفراش اللي مبقاش يجمعنا وغيره وغيره..
بس وانا بحكي بدأت أشم ريحة غريبة أوي, كأن فيه حاجة بتتحرق, بعدها بدأت أشوف وانا مغمضة حاجة زي قماشة ملفوفة وفيها حاجة بتتحرك, لقيته بيسألني:
– شايفة ايه