شعور
اسوأ شعور ممكن يحصل للراجل هو لما زوجته تموت بعد زواجهم بمدة قصيرة, ويكتشف فجأة ان حياته كلها أصبحت بلا معنى, وانها كانت فعلا حياته كلها اللي عايش علشانها, بس دي كانت حكمة ربنا سبحانه وتعالى, رغم انها تعبت جدا في أيامها الأخيرة لما السرطان اتمكن منها وبقت بتتنفس بصعوبة, وبدأ جسمها يتحلل وهي على قيد الحياة..
شوفت زوجتي وهي بتتحول لهيكل عظمي, وشوفتها وهي تحت جهاز الأكسجين, وشوفت دموع الألم وسمعت منها أهات العذاب, لدرجة اني كنت بدعي ربنا يعجل بموتها عشان العذاب اللي هي فيه, لحد ما روحتلها مرة المستشفى بعد ما الادارة اتصلت بيا بعد الفجر..
جريت وانا ايدي على قلبي انا وبنتي الصغيرة سهام عشان اتفاجئ بمراتي لابسة الخمار وبتصلي صلاة الضحى, معرفش ازاي قامت ودب فيها النشاط ده كله, وقتها حضنت بنتها وكانت مبتسمة وفي قمة الهدوء, وقالتلي انها بقت أحسن وخلاص مفيش وجع تاني, كان وشها منور بطريقة غريبة أوي, وفي النهاية طلبت مني أرجع على البيت وآجي على العصر..
حاولت أستفهم منها عن السبب بس رفضت تجاوبني, وعلى العصر جالي خبر وفاتها من المستشفى, ووقعت في نوبة بكاء وحزن محصلتش من يوم وفاة أبويا الله يرحمه, مكنتش أعرف انها بتودع الحياة وبتودعنا, قالولي في المستشفى انها ماتت والمصحف على ايديها, ودفنت مراتي يومها وانا حاسس ان انا أضعف خلق الله, يومها كنت باخد القوة من حضن بنتي سهام الصغيرة اللي لسة مكملتش ست سنين بس, لحد ما أكرمت مراتي ودفنتها, وخدت العزاء بتاعها كمان, وبدأت تليفونات الشغل تزن عليا عشان أرجع..
وحقيقي كنت ناوي اعتزل الدنيا كلها بعد موتها, بس بنتي, بنتي اللي كانت وصية مراتي, واللي كان لازم أرجع للحياة من تاني عشانها واتحمل الدنيا بعد فراق أغلى واحدة لقلبي, بس كانت المشكلة, الشركة كانت واخدة مشروع جديد ومطالب مني أقعود تلت شهور في سكن تبعهم, ومكنش ينفع غير اني أخود بنتي معايا, بس سكن الشركة مش هينفع, وكلمت ادارة السكن اللي تفهمت الموقف وبعتت مندوب للمحافظة اللي هسكن فيها وجابتلي شقة خلال 24 ساعة, كانت بعيدة شوية عن سكن المهندسين بس قولت مش مهم طالما العربية هتعدي عليا يوميا..
وجهزنا حاجتنا وخدت بنتي اللي أول ما خرجنا من البيت سألت سؤال دمر أعصابي كلها
“مش هناخد ماما معانا”
وحضنت البنت ومردتش عليها بنص كلمة, وركبنا القطر وانطلقنا, وعلى بالليل وصلنا الشقة وكان عندي شغل الصبح, نزلت بسرعة اشتريت أكل كتير حطيته في التلاجة وظبطت دولاب بنتي ونمنا من التعب, وتاني يوم نبهت عليها تفضل في الشقة تتفرج على الكارتون لحد ما أرجع ومش هتأخر عليها, والأكل حضرته على السفرة عشان تاكل لو جاعت..
ونزلت على الشغل وانا بدعي ربنا يسهل الأمور من عنده, وخلصت أول يوم شغل ورجعت لقيت البنت نايمة وشكلها مرهق وحزين جدا لأنها مش متعودة تقعد لوحدها, فكرتني بملامح مراتي لما كانت تسهر للساعة واحدة ومتنامش لحد ما تطمن اني رجعت, عملت الغدا واتغدينا وقعدنا مع بعض شوية لحد بالليل ونمنا..
وبدت الأيام تمر رتيبة, يوم بعد يوم بعد يوم, لحد ما في مرة بنتي الصغيرة طلبت مني أجيب ازاة لبن أطفال وانا راجع, استغربت من طلبها بس محبتش أرفضلها أي حاجة لأنها وحيدة وانا مقدر اللي هي فيه..
ولما رجعت من شغلي لقيت ازازة اللبن خلصانة, استغربت لأن بنتي مبتحبش اللبن اطلاقا ولا كانت بتدوقه, بس عديت الموضوع, ويوم بعد يوم بدأت تطلب ازازة لبن يوميا, وكنت غصب عني بجبها وانا مش عارف بتخلصها فين, لحد ما في يوم سألتها بحزم عن اللبن بعد ما بدأت أشك في أفعالها, لقتها بكل براءة قالتلي:
– عشان خاطر مروان
– مروان مين بقا ؟؟
– مروان النونو
– انت بتتخيلي يا حبيبتي ومفيش لبن تاني
لقتها بدأت تدبدب برجليها في الأرض وتعيط بطريقة مستفزة جدا, زعقتلها واتعصبت عليها لحد ما خافت وسكتت, وعلى بالليل صالحتها وخدتها عشان تنام جمبي, بس كانت صامتة ومستسلمة تماما, وفي نص الليل صحيت على صوت بكاء طفل في قلب شقتي, قمت من مكاني مفزوع وانا مش فاهم الصوت ده جاي منين, الأول تخيلتها بنتي بس لما لقيت بنتي نايمة جمبي خفت..
خرجت للصالة ومنها للاوضة التانية اللي كان جاي منها صوت البكاء, وفضلت اتقصى المكان لحد ما اكتشفت ان البكاء جاي من الحيطة نفسها, قولت يمكن من عند الجيران وتجاهلت الموضوع, بس صوت البكاء فضل في ودني طول الليل لدرجة اني معرفتش أنام ساعة واحدة بس..
وتاني يوم كان جسمي متكسر من قلة النوم, ومطلبتش بنتي اللبن وانا تجاهلت الموضوع, بس الغريب ان البكاء استمر تاني ليلة برضه وبطريقة مستفزة جدا جدا, لحد ما تاني يوم ومن القلق والسهر والتوتر خبطت على الجيران وبإسلوب مهذب بلغتهم اني بشتغل شغل مرهق وصوت الطفل بالليل بيكون مزعج جدا, بس الغريب انهم استغربوا جدا وقالولي انهم معندهمش أطفال, راجل عجوز ومراته وبس..
واعتذرت عشان الموقف كان محرج ورجعت شقتي, لقيت بنتي جاية بتبوسني وبتوشوشني في ودني وبتقول:
– انت عايز مروان يبطل عياط يا بابا
حسيت بخوف كبير أوي وقتها وقلت:
– ايوة
– يبقا هات لبن معاك
وقررت أجيب لبن وانا حاسس بخوف كبير على بنتي, وفعلا تاني ليلة مسمعتش أي صوت, وغصب عني كان لازم أفهم ايه اللي بيحصل في شقتي, قررت أجيب اللبن الصبح كالعادة ومروحش الشغل, هنزل ساعة وهرجع بسرعة, وفعلا عملت كدا, ودخلت شقتي وانا بتسحب, وسمعت صوت بنتي بتقول بصوت عالي:
– يالا أشرب اللبن يا مروان
وبعدها صوت صمت غريب ولقتها بتقول:
– بابا رجع تاني
قلبي اتنفض من مكانه, انا داخل بتسحب واستحالة تكون سمعتني, لقتها طالعة وبتبص ناحيتي بلوم وعتاب كبير وبتقول:
– ربنا يسترها عليك يا بابا
وفضلت طول اليوم قلقان, عمال بفكر في الجنان اللي بيحصل في شقتي ده, وعلى بالليل خدت بنتي في حضني عشان ننام, وفي نص الليل بدت أسمع صوت حاجة بتزحف قدام باب الاوضة, كأن حد بيجر شوال تقيل, أو حاجة وزنها تقيل أوي وبتزحف, قمت من على السرير وفضلت باصص ناحية الباب وانا بستعيذ بالله لحد ما بدأت أشوف حاجة شكلها غريب وغير مفهومة..
حاجة مكورة بس من اللحم, أو جسم مالوش أطراف, لحد ما شوفت الوجه, وشهقت شهقة واحد بيحتضر, كنت شايف وش طفل أزرق وعروقه بارزة بطريقة مرعبة, وكان باصص ناحيتي بعيون سودة زي الليل ومبتسم, وفي لحظة زحف بسرعة كبيرة وهرب من قدامي..
ووقفت مكاني وانا قلبي بيدق, وجسمي بيتنفض, وخايف على بنتي, اتحركت بسرعة وراه وفضلت أدور في الشقة بس مكنتش لاقي حاجة, دورت مرة واتنين بس مفيش, لحد ما روحت وانا مرعوب وصحيت بنتي وقولتلها:
– يالا نودي اللبن لمروان
ابتسمت وفرحت وقالت:
– يالا
خدتني على الاوضة التانية وبعدها كانت فيه فتحة بسيطة ورا الدولاب زحفت عشان تعدي منها, وبعدها طلبت مني اناولها اللبن, طلبت منه اوديله انا اللبن بس قالتلي مش هتعرف تدخل, الدولاب كان ضخم وكبير, بذلت مجهود جبار لحد ما زحزحته من مكانه, وفي النهاية كشف عن كسر صغير في الحيطة, مسكت شاكوش صغير وبدأت أضرب لحد ما وسعت, ومسافة ما نورت النور شوفته, هيكل عظمي لجثة صغيرة وجمبها علب اللبن اللي كنت بجيبها..
خدت بنتي بسرعة ونزلنا عملنا محضر في قسم الشرطة اللي حضرت فورا وشافوا الجثة وبدأوا يستدعوا صاحب العمارة اللي بدوره قال عن اللي كانوا ساكنين قبلي في الشقة, وقدرت الشرطة تستدعيهم, كان واحد ومراته مطرودين من الشقة بسبب ان الست كانت سيئة الخُلق وناس كتير اشتكوا انها بتجيب رجالة الشقة من ورا جوزها وكان طلقها لما عرف كدا..
واعترفت الست في النهاية, قالت انها كانت متجوزة الراجل بعد طلاقها, والراجل كان عنده طفل مولود بدون أطراف, وكانت كارهة حياتها وهي بتراعيه بحُكم شغل جوزها, وكانت خاينة وبتعمل علاقات كتير في الحرام لما كان جوزها بيسافر بالإسبوع في شغله, خاصة ان جوزها كان راجل مسكين من اللي عقولهم صغيرة جدا, لحد ما في مرة كان معاها راجل والولد كان بقاله يومين تعبان وهي متجاهلاه وغرقانة في الحرام لحد ما مات, ولما مات خافت من جوزها وقررت تعمل حيلة..
بمساعدة الراجل كسرت الحيطة ودفنت الواد فيها, وغطتها بالدولاب, واتصلت بيه بعد ما عورت نفسها وقالت ان فيه ناس هجموا عليها وضربوها وخطفوا الواد, الراجل جه هيتجنن من السفر عشان يعرف من الجيران انها سيئة السمعة ومحدش صدقها, بس الراجل كان مسكين, من الناس اللي عقلهم صغير, طلقها ومقدرش يعمل معاها أي حاجة بحُكم عقله الصغير..
وتلف الأيام والست تتكشف عن طريقي انا وبنتي الصغيرة, وتتحاكم الست في القضية, ومن يومها خدت بنتي وبدلنا الشقة وانا بحمد ربنا انه نجانا من اللي احنا فيه ده, حاجة علمتني ان فيه ستات في الدنيا يتحطوا على الجرح يطيب زي مراتي, وعشانها تحارب الدنيا كلها, وفيه ستات اسوأ من الشيطان وقادرة تدمر حياتك كلها, والعبرة كلها في الاختيار “فافظفر بذات الدين تربت يداك” الله يرحم زوجتي ويسكنها الجنة لأني عرفت قيمتها اكتر واكتر بعد الحكاية دي، وعرفت واتأكدت فعلا إن خير متاع الدنيا الزوجة الصالحة..
بقلم: أحمد محمود شرقاوي
………..
تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك
…………