السفر

السفر.. السفر بيخليك تعيش حياة فوق حياتك, وكل ما بتسافر اكتر بتعيش حيوات اكتر واكتر, السفر كفيل انه يوريك حاجات كتير مكنتش تتخيل في حياتك انك تشوفها, بيخليك تشوف وتفهم الف حاجة وحاجة, وأهمهم ان الناس دايما بيختاروا الشر على طريق الخير, بيختاروا القسوة على الرحمة, وبيختاروا الشهوة في الأغلب, ايا كانت الشهوة دي, فطالما الجسد بيشتهي فالانسان بينفذ فورًا..

وده اللي شوفته من أول ليلة ليا في الشقة اللي أجرتها جديد, للأسف مجموعي خلاني أدخل الكلية انتساب, وللأسف الجامعة مكانتش بتكفل في السكن الجامعي غير طلبة الانتظام, ومجموعي موصلنيش للمرحلة دي, ووقعت في دوامة ضياع الكلية اللي بتمناها عشان السكن, بس الحل السحري جه على ايدين عمي اللي عايش في القاهرة, وقدر يأجر شقة ليا قريبة جدا من السكن بتاعه, بل وقدر يخلي والدي يغير رأيه بحُكم اني هبقا جمبه وهيخلي باله مني طول فترة الدراسة, وبعد مناوشات واعتراضات كتير انتصر عمي وقدر يقنع الكل اني اسيب القرية بتاعتي واسكن في القاهرة, في حي قريب من الجامعة نوعا ما..

وصلت ليلتها وانا حاسة بإثارة غريبة, اثارة اكتشاف عالم تاني غير العالم البطئ الروتيني بتاع القرية, عالم العاصمة السريع اللي قادر يبتلع جواه خلق كتير اوي بدون ما حد ياخد باله, العاصمة اللي قادرة تدوس على الفقير بدون أي شفقة, وحتى الغريب للأسف بيضيع وقت طويل اوي في دوامة العاصمة وبيقع كذا مرة قبل ما يقدر يواكب سرعتها وحركتها المُخيفة..

دخلت الشقة وبدأت استكشفها, شقة صغيرة جدا بس مرتبة وذوقها حلو, حطيت الشنط بتاعتي ورصتها وبدأت بسرعة في تنضيف الشقة من التراب البسيط اللي كان فيها, وبعدها خدت الدش الجميل ونمت, نمت من السفر والتعب والارهاق الشديد, نمت كتير أوي, بل وكنت ناوية انام يومين على أقل تقدير بما ان الدراسة لسة بعد اربع أيام, بس صحيت من نومي تقريبا على الضهر على صوت بكاء شديد واستغاثات

“خلاص يا ماما عشان خاطري كفاية”

“انا مش امك ومش هسيبك غير لما تقولي حقي برقبتي”

صحيت مخضوضة وحاولت أفهم ايه اللي بيحصل, وده لأن الصوت كان واضح أوي, طلعت للصالة ومن شباك الصالة شوفت صالة الشقة اللي قصادي, وبالأخص واحدة ست ماسكة طفلة صغيرة من دراعها بقسوة وعمالة تضربها بالعصاية بعنف وقسوة..

قلبي انفطر من المشهد بس في النفس الوقت مكنتش قادرة انادي عليها أو اخليها تهدى, خاصًة اني لسة جديدة في المكان وخايفة ترد عليا رد مش كويس, اتخفيت شوية وراقبتها وهي عمالة تضرب في البنت لحد ما عدمتها العافية, كل ده واستغاثات البنت موقفتش لحظة واحدة, لحد ما البنت اترمت على الكنبة تبكي والست لازالت مستمرة في شتيمتها بأقذر الألفاظ اللي ممكن حد يشتم بيها..

بداية كانت سيئة جدا, خاصة اني انسانة حساسة ومقدرش أشوف حيوان بيتألم قدامي فما بالك بطفلة بريئة زي دي, للأسف اليوم بالنسبالي اتقفل خالص, بل وكنت على وشك اني أبكي كمان على الطفلة دي, زرت عمي يومها وفضلت عندهم طول اليوم وعلى بالليل رجعت للشقة ونمت, ونسخة من اللي حصل امبارح حصل تاني, زعيق وتوبيخ وضرب للطفلة على أقل سبب, ودايما كان شباك الصالة مفتوح وبعرف اشوف كمان التفاصيل, وقتها بدأ يتولد جوايا شعور بالقهر, انا مش قادرة أساعد الطفلة ولا اقدملها أي دعم, ياريت كان ليا الحق اني اساعدها أو حتى أخودها تعيش عندي..

وبدأ الأمر يتكرر شبه يوميا, ضرب للطفلة كل شوية واهانة وذل, بل في مرة سمعتها بتقول انها هتحبسها في الحمام, وفعلا حبستها والبنت فضلت تستغيث كتير أوي, في النهاية بدأت الدراسة ونزلت الكلية لعلي اتناسى الوجع اللي بشوفه كل يوم ده, وفي ليلة وانا راجعة لقيت الطفلة قاعدة بتلعب قدام باب الشقة, وأول ما شافتني وبكل براءة الدنيا اتكلمت بصوت حنين وقالت:

“ازيك يا طانط”

معرفش ليه حسيت بقلبي بيتخلع من مكانه, وبدون أي تفكير خدتها في حض..ني بقوة, كأني بحميها من قسوة العالم ده كله, الغريب انها حضن..تني وهي بتضحك بصوت عالي, مسحت على خدها بصوابعي وسألتها بابتسامة كبيرة:

– اسمك ايه يا قمراية انتي

– انا اسمي تغريد

– اسمك جميل اوي على فكرة, طيب بابا فين يا تغريد

– باب مسافر وانا عايشة مع ماما التانية لأن ماما الاولى راحت عند ربنا

قلبي اتقسم نصين من كلامها, وفهمت انها عايشة مع مرات ابوها, الست اللي متعرفش يعني ايه رحمة, دورت في شنطتي لقيت شيكولاتة ادتهالها بابتسامة كبيرة ونزلت تاني, اشتريت علبة جاتوه وروحت على شقة تغريد وخبطت, وفتحتلي مرات ابوها, قابلتها بابتسامة وعرفتها بنفسي واعتذرت اني كل ده معرفتهاش بنفسي, كنت شايفة ان قربي ودخولي بيتهم ممكن يخليني أحمي تغريد ولو وقت بسيط, وقعدت معاهم شوية قابلتني فيهم الست بفتور بس مش بقلة ذوق, ومشيت..

تاني يوم وانا راجعة من الجامعة لقيت تغريد قدام باب البيت بتلعب بنفس اللعبة, قطة بلاستيك شكلها جميل جدا, حمدت ربنا ان معايا شيكولاتة وادتهالها وقعدت معاها شوية ودخلت شقتي, وبقت العادة كل يوم ارجع الاقي تغريد بتلعب وتاخد مني الشيكولاتة وتدخل الشقة, لحد ما في ليلة رجعت متأخر اوي, كانت الساعة قريبة من 12 بالليل, الغريب اني شوفت تغريد قاعدة مكانها وشكلها حزين اوي, طبطبت عليها وسألتها عن سبب حزنها فقالتلي

“استنيتك كتير وانتي اتأخرتي”

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *